آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › الكاتب الشهيد غسان كنفاني.. وفي الليلة الظلماء يٌُفتقد البدر

صورة الخبر: الكاتب الشهيد غسان كنفاني.. وفي الليلة الظلماء يٌُفتقد البدر
الكاتب الشهيد غسان كنفاني.. وفي الليلة الظلماء يٌُفتقد البدر

ذات صباح مشمس ودافئ نزل، صحبة ابنة شقيقته الشابة لميس حسين نجم"17 عاما"، من منزله متوجها إلى عمله كعادته كلّ يوم... ولكن يوم الثامن من يوليو/تموز من سنة 1972 لم يكن عاديا حيث لم يكن يعلم أن القدر قد ساقه إلى حتفه بطريقة بشعة عندما انفجرت قنبلة كانت تحت سيارته فحوّلت جسده إلى أشلاء تناثرت على قارعة الطريق لتروي كلّ قطعة منه حكاية الغدر الصهيوني الذي نام مطمئن البال ليلتها، بل وأقيمت الأفراح في "تل أبيب" بعد وصول وفاة الشهيد الكاتب والصحفي غسان كنفاني صحبة "الملاك" لميس حسين.

سال دمه الزكيّ ليروي الأرض العطشى ولكي يسقي شجرة النضال التي غرسها بفكره وبقلمه الصادق الذي سخّره لفضح الأعمال الإجرامية للكيان الصهيوني والدفاع عن القضية الفلسطينية منذ أن خطّ أول حرف له في عالم الصحافة ...وقف أمام كل العملاء وبثّ روح الثورة بمقالاته الصحفية وبآرائه التي أفقدت صواب"إسرائيل" فقرّر جهازها الاستخباراتي "الموساد" تصفيته بتلك الطريقة الدموية.

أغمض جفنه وهو قويّ حاملا قلمه الذي سلّطه على الطغيان والجبروت فتحوّل إلى سيف قاطع للرقاب وأوراقه التي فجّرت قضايا وأربكت الظالمين عندما كان يخطّ عليها مقالاته سياطا تلهب الصدور والظهور... استشهد شابا يافعا وهو في عزّ العطاء الفكري وفي عنفوان تحمّسه لنصرة إخوانه الفلسطينيين، حاملا للهمّ العربي.

ولد الكاتب والروائي والصحفي غسان كنفاني في عكا يوم التاسع من أبريل/نيسان عام 1936... رأى النور وهو ممدّد على الأرض بعد أن فشلت أمه في الوصول إلى سريرها كي تضعه ... ولد على الأرض التي عشقها ومات أيضا على الأرض البكر الطاهرة.

نشأ في المدينة التي بيعت منذ قرون عديدة عندما فتحت أبوابها للـ"فرنجة" أيام حروب صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد وفيليب وحكاية "أورشليم" و"كنوز الشرق" و"معركة حطين"... ومات في بلد الأرز والجبال والجمال... مات في بيروت المحمّلة بقصص الجنوب ومزارع شبعا وجبيل التاريخ.

كتب بشكل أساسي بمواضيع التحرر الفلسطيني، وهو عضو المكتب السياسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في عام 1948 أجبر وعائلته على النزوح فعاش في سوريا كلاجئ فلسطيني ثم في لبنان حيث حصل على الجنسية اللبنانية. أكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952.

في ذات العام تسجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، انضم إلى حركة القوميين العرب التي ضمه إليها جورج حبش لدى لقائهما عام 1953.

ذهب إلى الكويت حيث عمل في التدريس الابتدائي، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية "1961" التي كانت تنطق باسم الحركة مسؤولا عن القسم الثقافي فيها، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة "المحرر" اللبنانية، وأصدر فيها"ملحق فلسطين" ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم "مجلة الهدف" وترأس غسان تحريرها.

كما أصبح ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تزوج من سيدة دانماركية تدعى "آن" ورزق منها بولدين هما فايز وليلى. بعد استشهاده، استلم بسام أبو شريف تحرير المجلة.

وكان الشهيد كنفاني من الذين آمنوا بالقضية الفلسطينية بصدق فعمل بإخلاص في ميدانه الذي وجّهه صوب التنديد بالممارسات القمعية والإجرامية للكيان الصهيوني في حقّ الشعب الفلسطيني.

استطاع أن يربك العدوّ بفكر خلاّق ووعي نادر الوجود... قاوم رغم مرضه بالسكري ورغم حياته غير المستقرة حيث عاش طريد المكان طويلا قبل أن يستقرّ بالعاصمة اللبنانية.
انتاج غسان الأدبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به. فرواية "عائد إلى حيفا" مثلا وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا وقد وعي ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية. كما أن "أرض البرتقال الحزين" تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية.

وروايته "موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. وكانت "رجال في الشمس" مرآة عاكسة لحياته ولحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.

في قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيرا بالعمل الفدائي. قصص "أم سعد" وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من أشخاص حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعدّ قصة ودراسة عن ثورة فلسطين 1936 فأخذ يجتمع إلى سكان المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر "نشرت في مجلة شؤون فلسطين" أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه "عن الرجال والبنادق".

كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لأحد العمال وهو يكسر الصخر في" كاراج" البناية التي يسكنها وكان ينوى تسميتها "الرجل والصخر".

لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر الثورة والرفض،كما لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن "شعراء الأرض المحتلة" مرجعاً مقررا في عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين.

الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان "في الأدب الصهيوني". أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن حالة اللاسلم واللاحرب ولو عدنا قليلا إلى الأشهر التي تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية في تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللاسلم واللاحرب أي قبل سنوات من الاكتشاف الأخير الذي تحدثت عنه الصحافة العربية والأجنبية.

إننا نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التي كان يتمتع بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول إنه لم يكن له عدوّ شخصي ولا في أي وقت وأي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذي لم يكن يهمه سوى الإخلاص لعمله وقضيته.

أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذي عرضت عليه الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون في حاجة اليه، إلى ايمانه واخلاصه واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذي تساقط سواه كأوراق الخريف يأسا وقنوطا وقصر نفس.

كان غسان شعبا في رجل، كان قضية، كان وطنا، ولا يمكن أن نستعيده- ربما- إذا استعدنا الوطن.

المصدر: العرب أونلاين-شادى زريبى

إقرأ هذه الأخبار ايضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الكاتب الشهيد غسان كنفاني.. وفي الليلة الظلماء يٌُفتقد البدر

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
46832

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق عرب نت 5 مجانا الآن
سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم
Most Popular Tags

غسان كنفاني

,
إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager