آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › "آخر ساعة".. مسرحية تعزف سمفونية "الفصول الأربعة"

صورة الخبر: "آخر ساعة".. مسرحية تعزف سمفونية "الفصول الأربعة"
"آخر ساعة".. مسرحية تعزف سمفونية "الفصول الأربعة"

في خلطة عجيبة غريبة راوحت بين الفلسفي الباعث على التفكير والواقعي الباعث على السخرية، وبحضور نخبة من المثقفين والاعلاميين يتقدمهم عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة التونسي، انتظم بمسرح الحمراء للفنون يوم الجمعة 6 نوفمبر العرض الأول لمسرحية "آخر ساعة" عن نص للكاتبة والممثلة المسرحية ليلى طوبال ومن اخراج عزالدين قنون.

رحلة سريالية

على مدى الساعة ونصف الساعة سافر الجمهور في رحلة سريالية أشبة بقصائد لويس أراغون أو لوحات سلفادور دالي، عبر مجموعة من اللوحات والمشاهد التمثيلية المتماسكة التي تجسد مسيرة الانسان من اليوم الأول الى "اليوم الأخير" و"رحلة الشتاء والصيف" للكائن البشري في مسرحية تعزف سمفونية "الفصول الأربعة" ويجسدها أبطال خمسة يتناوبون على الركح هم ليلى طوبال وبحري الرحالي وريم الحمروني وبهرام العلوي وأسامة كشكار، لكن السمفونية هذه المرة يقودها المبدع المتميز عزالدين قنون وليس فيفالدي، رغم أن الرحلة المحفوفة بالمخاطر في مركب الخلق والابداع تنتفي فيها الأسماء ويحضر فيها الأختلاف عنوان وجود مثلما يحضر الموت في هذا العمل دليل على الحياة، أوليس بأضدادها تعرف الاشياء، فما أصل الحكاية؟

الحكاية

طرق الموت باب بطلة المسرحية "نجمة" ليعلمها أنه آت بعد ساعة. فماذا يمكن أن تفعل؟.. وماذا يمكن أن تقول في الوقت الذي لم يبقى لها إلا ستون دقيقة لتعيش. عقارب الساعة تتحرك بسرعة، تركض نحوالفناء.. و"نجمة" في حالة هذيان قصوى.. تستعيد ذكرياتها وتبحث عن ماضيها بشخوصه وصوره.. تستفز حاضرها وتجهز نفسها للحظة الوداع.

حكاية بسيطة ومعقدة في آن هذه هي مسرحية "آخر ساعة" يمتزج فيها النفس الواقعي الساخر بالبعد التخييلي السريالي فنجد أنفسنا وجه لوجه مع هذا الكائن العجيب والمتلون الذي يسمى الموت ويعود بنا السؤال الى البدايات والدهشة والرغبة في اكتشاف أنفسنا من جديد والتساؤل عن معنى وجودنا وعن النظام الكوني والخير والشر.

هاتف من الغيب يفيق نجمة من غفوتها، "ميارى" جديدة تنبئنا بأن الاجل قد قرب وتدعونا الى الايمان بجدوى الحلم وبالمعنى الحقيقي للحياة بعيدا عن كل التأثيرات الخارجية وكأنها صيحة سقراط "كن نفسك" لذلك تؤكد كاتبة العمل الفنانة ليلى طوبال على أن "هذا النص هوحكاية والحياة حكاية وخرافة، هو استعادة كتابية مسرحية لجدلية الحياة والموت وربما لم نأتي بالجديد بحديثنا عن حتمية الموت ولكن طريقة الطرح هي التي تحاول لفت النظر وشد المتفرج واحداث الاختلاف في موضوع كتب عنه الكثير. هذا العمل هودعوة للحياة ودعوة للانسان كي يحقق وجوده ويعيش الحياة التي يريدها وليس التي يرسمونها له".

وتبرر استعمال النفس الساخر ودور الابداع في مواجهة الموت بقولها "نفس السخرية مقصود وهو ردة فعل على ما نشاهده ونعيشه كل يوم من أخبار وحديث عن الموت. لذلك لم نرد أن يكون تناولنا لهذا الموضوع بشكل درامي وربما طريقة السخرية هي التي تحقق الاختلاف وتسهل عملية التبليغ. المسرح من دون شك والفن عموما يخلد الانسان والمبدع يبقى من خلال موسيقاه أو لوحاته أو كتاباته".

أما مخرج العمل عزالدين قنون فيقول "آخر ساعة" هي دعوة للمتعة والانشراح ودعوة للتفكير وإعادة النظر في عدة أشياء في حياتنا ودعوة لتسليط الضوء على الحياة بنظرة نقدية وثاقبة مختلفة وليس فيها أدنى مجاملة حتى يتمتع الانسان بحياته ويبني حاضره حتى يستطيع عيش مستقبله ،ولذا فهي مسرحية تعرض مرة واحدة في اليوم وتحاول أن تعاد ولكنها لا تعاد لانها تقدم بروح أخرى وهي مطلب حياة متجددة ومثل الانسان الذي يتغير من يوم الى اخر فان العرض المسرحي يتغير من عرض الى أخر. من هنا فان المسرحية هي نداء للحياة بالاساس ويهمني بعد أن يستمتع المتفرج بالعرض يهمني أن يطرح الاسئلة ويدفعه العمل للتفكير".

فلسفة السخرية من الموت

وعن دقة وصعوبة الموضوع الفلسفي المطروق في هذه المسرحية وعن امكانية عدم تقبل الجمهور لمثل هذه الاعمال خاصة مع تكريس ذائقة معينة وسيطرة ثقافة الصورة المبتذلة في هذا العصر، يضيف قائلا "رغم صعوبة الموضوع ولكن ما يخيف ليس ابتذال الصورة في هذا العصر ولكن المشكلة في الطروحات والمواضيع التي تقدم باستهزاء وباستهتار بالمشاهد، ورغم أنني لست مع الاقصاء وكل انسان يقدم المسرح الذي يعجبه، إلا أن ما يهمني بالأساس هو هذا المسرح الذي أقدمه وليس فيه قتامة ورتابة انما هو مسرح دافع الى التساؤل عن جدوى حياتنا في نفس الوقت الذي هو دافع الى الاستمتاع بهذه الحياة التي لا تعاش سوى مرة وكل من شاهد المسرحية استمتع وضحك رغم انها تتحدث عن الموت. ولأنه ليس هناك حياة من دون موت فإن دورنا ودور المسرح هو في مصارعة هذا الموت والتغلب عليه حتى نستمتع بحياتنا وتنتصر فلسفة الوجود والحياة على فلسفة الموت والعبث وحينذاك فقط ستنتصر الحياة ويصبح لوجودنا مبررا ومعنى والمسرحية في النهاية ليست دعوة للتفلسف بقدر ما هي دعوة للحياة".

وأما نفس السخرية الحاضر بقوة فيبرره بقصدية طريقة التناول المختلفة حيث يصرح "ان حضور نفس السخرية هوليس وسيلة للوصول الى الجمهور وانما هومحاولة لمعالجة موضوع الموت بنفس ساخر هادف يدفعك الى اعادة النظر في عدة اشياء وتعدل اوتار حياتك من جديد.واذا كان لابد للموت من حضورفي حياتنا فماذا عسانا نفعل؟ وكيف ستطيع أن نستفيد من اللحظات الأخيرة المتبقية لنا والساعة الأخيرة المتبقية لهذه الشخصية الرئيسية في المسرحية التي وجدت نفسها في مواجهة الموت فاتجهت الى استرجاع شظايا حياتها وأصبحت بل ايقنت أنها غير فاعلة".

تقنيات التوسل والتبليغ

وعن سؤالنا حول التركيز على المضمون والحوار في هذا العمل وتغييب بقية المؤثرات مثل الاشتغال على الجسد قال الفنان عزالدين قنون "صحيح أن هذا العمل يختلف من حيث آليات العمل عن مسرحية "رهائن" ومع ذلك في اعتقادي أنه هناك اشتغال وتوظيف جيد للجسد في هذا العمل بالاضافة طبعا للحبكة الدراموتورجية، ومجموع اللوحات التي وظف فيها الجسد تأخذ حيزا لابأس به من المسرحية.وتوظيف حركة الشخصيات واستغلال أجسادهم هولا يتم اعتباطا وانما وفق منهجا يخدم العمل ككل وفي هذا العمل لعبنا على الانفجار وكل الشخصيات متفجرة ومتحركة ولولاحظت في هذا العمل أنني رفضت المؤثرات الصوتية والموسيقى والفيديوواستعملت في المقابل صوت علياء السلامي بتأوهاتها وصيحاتها كركيزة للوضعيات والشخصيات، من هنا فأنا انطلقت بالاساس من الممثل ومن صوته الذي مثل موسيقى العرض أما الاضاءة فقد كانت مجزاءة تخدم تحرك الشخصيات وانفعلاتهم".

ولعل قيمة هذا العمل المسرحي، فضلا عن تفجيره لكثير من الاسئلة الدافعة للتفكير، تتجسد أيضا في هذه الرسالة الخفية التي تجعل من الابداع أفضل وسيلة لمواجهة الموت ذلك أن "المسرح والكتابة والابداع والفن هومعركة الانسان والحي ضد الفناء وضد الموت، وفي النهاية ما تبقى وما وصلنا من الحضارات والأمم السابقة هو هذه الآثار الابداعية من لوحات وكتابات ونقوش على المعابد ونفس الشيء بالنسبة للاعمال الابداعية التي تنتج اليوم وسيحتفظ بها التاريخ في شكل مسرحيات أو أفلام رقمية أو موسيقى. اذن فالانسان يحاول مصارعة الموت حتى يبقى ويخلد نفسه ولومعنويا بأعمال فنية وابداعية تتخطى اللحظة الراهنة وتسافر في الزمن وتلك طريقة حتى يبرهن الانسان عن فاعليته في الوجود".

ركض نحوالفراغ والفناء وشخصيات تجسد صراع الانسان مع الزمن وتشظي النفس البشرية بين الماضي والحاضر والهنا والهناك والحلم السرمدي والواقع المرير، ولكنها في النهاية لابد من التسليم بوجود وحقيقة هادم اللذات ومفرق الجماعات: الموت، وليس هناك مهرب الا مواجهته ومصارعته أومصادقته امعانا من القدر في السخرية بهذا الكائن الضعيف الذي تتجاذبه عدة قوى ظاهرة وخفية وتتلاعب به منغصات الحياة فيصرخ كما صرخ المتنبي "ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى== عدوله ما من صداقته بد" خاصة وهويعلم أن "دقات قلب المرء قائلة له== ان الحياة دقائق وثواني" على حد رأي أحمد شوقي.

"آخر ساعة" لعبة الذكريات و"الفلاش باك" وسعي لتحنيط اللحظات وتعليب الزمن، تجسدها شخصيات حاضرة وغائبة، نائمة ومستيقضة، صامتة وصارخة، حية وميتة. تأخدنا معها الى عالم "الجوهر الصعاد" و"غياهب السجن" وظلمة القبر وميتافيزقية العالم الماورائي حينا، وتعود بنا الى دنس الواقع بكل حروبه وكوارثه وأفاته وصراعاته أحيانا أخرى ولكن المهم في عملية الاسراء والمعراج هذه هي أنها تتم دونما أدنى احساس بالدوار أوبانفصام الشخصيات أوتقطع اللوحات المشهدية وهذا يحسب للمخرج عزالدين قنون الذي نجح في عملية المزاوجة والمراوحة بين الجد والهزل وبين التخييلي والواقعي، ونجح في اقناعنا بجمالية وأحقية حضور الموت بوصفه احدى علامات الحياة وهوما نبهنا الى ضرورة عيش الحياة بكل امتلائها وعدم التفكير في المنغصات لأن "تقاطع الابداع بالابداع، السعادة هي أن تواصل اشتهاء ما تملك والحفاظ عليه كأنه مهدد بالزوال" على حد رأي الرائعة أحلام مستغانمي.
الموت سبيلنا الى الحياة، ما أشهى الموت حين يكون سبيلنا للحياة وما أجمل المسرح حين يكون سبيلنا لاكتشاف ذواتنا واستحضار واسترجاع سعادتنا التي فقدت في عالم مادي متنكر لانسانية الانسان ومشجعا على انقراضه.وما أروعها من صرخة مسرحية تلك التي تحاول تذكيرنا ببيت أبي العتاهية الشهير
لدوا للموت وابنوا للخراب==فكلكم يصير الى تباب
ولكنها في نفس الوقت تدعونا الى التفكر في جمالية الحياة.

تعدد الابداع والموت واحد

بين منطوق الشخصيات المتفجر وبين الديكور البسيط المتجسد في كرسي هزازنصب وسط الركح وتداول عليه الممثلون وهوأشبه بكرسي الاعتراف و"الموت الرحيم"، ووسط فضاء الحمراء الملتحف للسواد ينبجس الحلم بعالم مختلف وحياة مختلفة ويثكثف الحوار ليصل ذروة الخطاب الشعري أحيانا.

وبين هذا وذاك يقفز المتفرج الى الركح ويتحول الابطال الى شخصيات حقيقية وعبر لعبة تبادل الأدوار هذه تحيلنا مسرحية "آخر ساعة" الى أعمال ابداعية أخرى تطرقت الى موضوع الموت وفلسفة اللحظات الأخيرة من حياة الانسان.

فنكتشف هذا التطابق الغريب بين بطلة المسرحية "نجمة" و"موسى العسكري" بطل رواية اليوم الاخير لميخائيل نعيمة الذي سجسد تجربة انسان تناهى اليه عند منتصف الليل ،عبر هاتف من الغيب، إن الساعات الاربع والعشرين المقبلة هي آخر ما تبقى له من فسحة العمر فيتوه بين استرجاع الذكريات واستحضار المستقبل.

وكذللك لا يلزمنا الكثير من الذكاء حتى نكتشف أن اسئلة النفس البشرية أمام الموت واحدة ولافرق بين تداعيات ابطال المسرحية وبين لغة التمني الحاضرة بقوة في رائعة الشاعر مالك بن الريب وقصيدته التي يرثي بها نفسه وهومقبل على الموت في اللحظات الاخيرة فنراه يقول:
أليت شعري هل أبيتن ليلة==بوادي الغضى أزجي القلاص النواحيا
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه==وليت الغضى ماشي الركاب الليالى
ويضيف
تذكرت من يبكي علي فلم أجد==سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوكا يجر عنانه==الى الماء لم يترك له الموت ساقيا
ولما تراءت عند مرومنيتي==وخل بها جسمي وحانت وفاتيا
أقول لاصحابي ارفعوني فانه==يقر بعيني أن سهيل بدا ليا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا==برابية اني مقيم لياليا
أقيما علي اليوم أوبعض ليله==ولا تعجلاني قد تبين شانيا
وقوما اذا ما استل روحي فهيئا==لي السدر والاكفان عند فنائيا
وخطا بأطراف الاسنةمضجعي==وردا على عيني فضل ردائيا

ولا ننسى في الأخير ونحن نتصفح سجلات الموت والحياة بأن نستنتج أن الموت واحد مهما تعددت أسبابه والابداع واحد مهما تعددت مشاربه ومن هنا استحضرت "جدارية" محمود درويش وأنا أشاهد مسرحية "آخر ساعة" وتذكرت صرخاته "أيها الموت انتظرني عند باب البحر/في مقهى الرومانسيين/لم أرجع وقد طاشت سهامك مرة/الا لاودع داخلي في خارجي/واوزع القمح الذي امتلأت به روحي/على الشحرور حط على يدي وكاهلي /واودع الارض التي تكتصني ملحا وثنثرني/حشيشا للحصان وللغزالة.فانتظرني /ريثما انهي زيارتي القصيرة للمكان والزمان/ولا تصدقني اعود اولا اعود/واقول:شكرا للحياة/ولم أكن حيا ولا ميتا"وتتوحد اسباب الرحيل مهما تعدد الزمان والمكان فيقول"التاريخ يسخر من ضحاياه/ومن ابطاله/يلقي عليهم نظرة ويمر/هذا البحر لي/هذا الهواء الرطب لي/واسمي وان اخطات لفظ اسمي على التابوت/لي/اما انا/وقد امتلأت/ بكل أسباب اللرحيل/فلست لي./ انا لست لي/انا لست لي." ومن هذا الاصرار على التخلص من البعد الاني والاناني للمبدع وادراك مرحلة الخلود من البعد الموضوعي للعمل الابداعي، نتيقن أن بمثل هذه الأعمال الابداعية الصادقة تبنى الحضارات ويكتب التاريخ ويصرع الموت.

المصدر: العرب أونلاين-عبد المجيد دقنيش

إقرأ هذه الأخبار ايضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على "آخر ساعة".. مسرحية تعزف سمفونية "الفصول الأربعة"

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
48681

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق عرب نت 5 مجانا الآن
سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم
إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager