الشاعر التونسي آدم فتحي في مرثية الحلم المجهض

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › الشاعر التونسي آدم فتحي في مرثية الحلم المجهض

صورة الخبر: الشاعر التونسي آدم فتحي في مرثية الحلم المجهض
الشاعر التونسي آدم فتحي في مرثية الحلم المجهض

الثلاثاء, ‏20 ‏يوليه, ‏2010

منذ عشرٍ خلَون، جلست وحيدا في حانة بشارع الشنزيليزي، أحتسي كأسا مزاجها همّ دفين، لأحتفي، على طريقتي، بأعوامي الخمسين، ورحت أحاسب نفسي عمّا اجتنيت من نصف قرن انقضت أعوامه بددا، في بلاد غريبة لا تهب غير الوهم. في تلك الحانة، شرعت، على غير عادتي، في كتابة قصيد بعنوان "أشتات الرؤى القاحلة"، قلت فيه فيما قلت:

عمرٌ مضى
والقلبُ يستقوي على قلَقٍ يساورهُ
ويهمِس :
يا فتى!
ماذا فعلتَ بنصفِ قرن؟

عادت بي الذّاكرة إلى تلك اللحظة، حين أهداني الصّديق الشاعر آدم فتحي قصيدته الموسومة بـ "قصيدة الخمسين"، ووجدتني أعود إلى نهاية السبعينات لأستحضر أول لقاء لي به، وكان قد بدأ يسجّل حضوره في المشهد الشعري في ذلك الوقت، إلى جانب ثلة من الشعراء الشبان أمثال المنصف المزغني ومحمد الصغير أولاد أحمد ومحمد العوني وسميرة الكسراوي وسوف عبيد وعبد الله مالك القاسمي وحملة لواء الشعر المنجمي محمد عمار شعابنية وسالم الشعبوني ومحمد المختار الهادي وجماعة القيروان المنصف الوهايبي ومحمد الغزي بخاصة. ثم تلت ذلك اللقاء مناسبات جمعتنا في نادي القصة وفي دار الثقافة ابن رشيق وفي المقاهي العصرية بسرة المدينة، مدينة تونس.

خلال تلك الأعوام، وكانت البلاد على شفير جرف هار، تضج بالصخب والعنف وتنذر بانفجار وشيك، اختلفنا في مسائل فنية كثيرة، والتقينا في الجوهر : "عار على الفن إن لم ينر شمعة في الطريق !" وانصرفنا كلّ من جهته، وفي الجنس الذي يراه أطوع للتعبير عن موقفه، نقاوم العسف في شتى مظاهره، ونفضح الدجل في شتى أوجهه، وننادي بقيام مجتمع عادل يهنأ فيه الفرد بعيشه على قدر الجهد المبذول، وندعو إلى كسر الأصفاد التي تغل حريته حتى ينعم بالمواطنة الحق، ويصدع برأيه دونما خوف.

في تلك الفترة التي أشار إليها آدم فتحي في معرض حديثه عن روايتي "الرجل العاري"، برهافة الشاعر وفصاحة الأديب ومحبة الخل الأوفى، توطّدت علاقتنا، ولا تزال وطيدة حتى اليوم، برغم البعد، وبرغم مشاغل الحياة، هنا، وهناك. عرفته هادئ الطبع لا يعلو في نبرته لفظ على آخر كما يقول الفرنسيون، محدّثا بارعا لا تملّ الجلوس إليه، مثقفا واسع الاطلاع ينبئك عن تجارب متميزة لا تحصى عددا في الشرق والغرب، وقارئا نهما لا يغث عليه قديم ولا حديث.

وهو إلى ذلك فنّان أصيل، صادق مع نفسه ومع الناس، في شعره صور شفيفة موحية عن حلم لا يزال يراودنا جميعا، أن نرى البلاد، بلادنا، وفية لأحكام دستورها، وأصداء نضال لم يخب وهجه منذ أن كان يجوب البلاد طولا وعرضا، مندّدا بفصيح الكلام وعامّيّه، بمظاهر الفساد والتضليل. ثم اكتشفت فيه، على البعد، خصلة أخرى، رحابة صدره التي تتسع إلى أن يكتب عما ينتجه غيره بحبّ ما بعده حب، وأن يترفع عن أخطائهم، وما أكثرها، ليبرز نقاط الضوء التي تلوح في تجاويف كل كتاب يقرؤه، دونما حسابات مسبقة، ولا ترقب جزاء أو شكر. ولا أذكر أن ناقدا أو صحافيا أو زميلا له في قرض الشعر واحتراف الأدب كتب عنه بمثل ما يكتب هو عن الناشئين والضالعين على حدّ سواء.

وها أنه ببلوغه عامه الخمسين، يقف مثلما وقفتُ منذ عشر سنوات مضت، لا ليحاسب نفسه كما فعلت، وإنما ليستقرئ، على مضض وأسى، انكسار الحلم والأسباب التي أدت إليه، كمن يتملّى في المرآة ذاته، يواجهها بالسؤال تلو السؤال، في صيغة المخاطب، أسئلة استنكار أشبه بالإدانة، إدانة فئة أجهضت الحلم المأمول.

القصيد لسان حال جيل فتح عينيه عند فجر الاستقلال على حلم بحجم السماء : أن يرى البلاد، وقد انعتقت من ربقة الاستعمار وحازت حريتها بعد تضحيات جسام لم يتخلف عنها أحد، تفتح لأبنائها صدرا رؤوما كي يحيوا في كنف الإخاء والعدل والحرية، ويبدوا رأيهم في كل ما يتعلق بالنهضة الموعودة، لا يخشون في قولة الحق لومة لائم، فإذا ابن البلد، بعد أن آلت إليه السلطة، حاكم بأمره، لا يعارضه معارض ولا يناقضه مناقض.
ينطلق الشاعر من الخاصّ إلى العامّ ليبين أنه لم يجحف في حلمه، ولم يطلب سوى ما يستطاع:

ماذا طلبتَ ؟ القليلَ : سَماءً أَخَفَّ وَمَوْتًا أَعَفَّ وَخَرُّوبَةً لاَ تَمِيلُ وحَريَّةً حُرَّةً وبِلادًا تَكُونُ وَلاَ تَسْتَحيلُ.
ولمّا استكثر عليه أهل الحلّ والرّبط ذلك، رضي بما هو أدنى:

ثُمَّ قُلْتَ لِأَطْلُبْ أقَلَّ: عَرُوسًا لِرُوحِي وأغْنِيةً لِعَرُوسِي وبَيْتًا لِأُغْنِيَتي وَجَوازَ سَفَرْ.
ولكن حتى هذا القدر الضئيل من المطامح استكثروه عليه، فإذا هو أمام مشهد قديم لم يتغير برحيل الاستعمار، فالصّواعق التي ترجم سقفه هي هي، والروائح التي تزكم الأنف هي ذاتها، والكلاب السلوقية المدربة على اقتفاء أثره هي نفسها التي تركض الآن خلفه للنيل منه، وإذا هو مقيّد بشباك تحول بينه وبين حلمه المزمن.

ثم ينظر فيما حوله، فإذا الناس استقالوا عن حلمهم واستعاضوا عنه بالكوابيس، قبل أن يصبح كل فرد منهم جاسوسا على حلمه وعلى الآخرين، ولو كانوا من صحبه وآله الأقربين. ويرى الشاعر الحالة عامّة، فيتساءل هل حدث ذلك بفعل جنية ذرت غبرتها السحرية لتجعلهم يستطيبون الكوابيس:

أيُّ جِنِّيّةٍ أعْمَلَتْ في قُراهم مخالِبَها الصدئةْ
عَقِبَ الحُلْم كَيْ يسْتَطِيبُوا الكَوابِيسَ ؟
لكأن جنية برزت من حيث لا ندري لتنهاهم عن الحلم:
لاَ تَقْرَبُوا الحُلْمَ " تَهْمِسُ " لا تَقْرَبوهُ
ويزداد "عملها" عتوّا حينما تراهم صابرين:
وَتُبْصِرُهم صابِرِينَ فتَمْنَحُ كُلَّ وَلِيدٍ لَهُمْ مَلَكيْنِ وبُولِيسَ، كَيْ يَحْرُسُوهُ مِنَ الحُلْمِ أو يهْرسُوهُ معَ الحُلْم.

فالحلم الذي ورد ذكره سبع مرات في صيغة المفرد، للتأكيد على أنه حلم واحد، هو ما يرجوه كل فرد أي كافة الناس في المحصلة النهائية، أي أنه حالة عامة، وما دام كذلك فينبغي منع تحقيقه، وإن استوجب تعيين "ملكين" " كناية على من يمتهن التخفي، يراقِب دون أن يُرى ويحرّر تقارير مبنية للمجهول " وبوليس، للحيلولة دون بلوغ الشاعر / الفرد / المجتمع إلى مبتغاه المؤجل من سنين.

وكان النتيجة هزات وحرائق وخيبات قنع إثرها كل واحد من المشهد البائس بالفرجة، ليلوذ بزاويته يغذي نرجسيته، ويرتد الشاعر إلى نفسه يحاسبها عما جنت من كل هاتيك الأعوام، فإذا حصاد السنين:

بِنْتٌ ومَكْتَبَةٌ، وبِلادٌ مُعَطَّبَة، وضِباعٌ مُطَوّبةٌ، وأغانٍ مُقَصَّبَةٌ، وأصَابِعُ مقطوعةُ العزْفِ مفجوعةُ النَزْفِ ممنوعةٌ من رثاء الوتَرْ قبل أن يرتدّ إلى نشأته الأولى وسط أهله وإخوته يبحث في طفولته عن تلك اللحظات البريئة، لعله يبكي كما يبكي الصغار، لأنه الآن، وقد صار في الخمسين، عصيّ الدّمع، لا يستطيع إلا أن يلوم نفسه على تضييع وقته في البحث عن البدَهيات، فهل كان يحتاج إلى ما يسميه الطواسين، أشباه أشياء وأشباه أحياء وأشباه أمكنة وأشباه حالات حيثما قلّبتها غير مكتملة، ليعرفَ... أنّ الحقيقةَ، مثل السّماء البعيدة، تبدو، إذَا لم تُحرِّكْ سواكنَها صُوَرُ الشعرِ، دومًا سعيدةْ ؟

فالشعر يحرّك السواكن ويقتلع ما هو قائم، ولكنهم ألغوه، أو همّشوا صنّاعه، فهم لا يحبون من الشعر إلا ما يقال في شخصهم مديحا وثناء، ولا يطيقونه إلا إذا كانوا هم غايته، والإحساس الذي ينتاب شاعرنا شبيه بالعدم. لكأنه بيت مهجور لا يزار، أو متصوف بلا مريدين. وإذا كانت المرارة لا تني تخالط منه الأنفاس، فهو لا يفهم سرّ هذا الحيف الذي لا يني يكابد جرائره.

ماذا فعلتَ بهمْ كي يعيشُوا يعيشُوا وأنت تموتُ، ويسْكُن في حُلْمِكَ العنكبوتُ، كأنّك لا شيءَ أو لا أثرْ؟
فإذا هو غريب، لا وطن له خارج القصيد:
لاَ بِلادَ لنَا أيُّهَا الشعْرُ
خَارِجَ غُرْبَتِنَا في القصيدةْ
لا مكان له غير أن يأخذ موقعه مثل شعبه في هامش الصفّ أو ييمّم وجهه شطر ديار المنفى :
وإذا كان لابدّ، فاترك لهم هذه الأرض
واسعةًًً... ولحينٍ
خصوصا وأن الأرض نفسها فقدت ملامحها:

هل هي الأرضُ أم لَوْحَةٌ للمُحاةِ ومِقْلَمَةٌ للغُزاةِ وحِبْرٌ جديدٌ لِتجميلِ موْتِ الحياةِ ومَدْرَسَةٌ للتخصُّصِ في عَلَفِ الثكَناتِ وسُورٌ يُزَيِّفُ بابَ النَجاةِ وبابٌ على البَحْرِ يدخُلُ منهُ الجرادُ لِيبقى العبادُ على العَتَبَةْ ؟
ولكنه لن يقوى على ترك البلاد لأهلها وهو القائل في مطلع القصيد:

لا الطفلُ شابَ ولا الشيخًُ طابَ ولا القلبُ تابَ عن الحُلمِ
فالحلم صنو الحياة، ولا حياة بلا حلم، ولا يمكن للشاعر الحق أن يتوب عن حلمه الذي هو حلم وطنه وشعبه، وإذا لم ينل حظا من الدنيا، فحسبه أن يمهّد لما هو خليق ببسط سيادة الشعب، فهو الغني برغم العثرات والحسرات.

"قصيدة الخمسين" إضافة جادة إلى مدونة الشعر التونسي، تخالف في بنيتها وصياغتها ما اعتدنا عليه في الأعوام الأخيرة من أشعار موغلة في الغموض، يفسرها من يشاء كما يشاء، مستندا إلى قاموس نقدي أشد استغلاقا وتعمية، فهي قصيدة تضرب في الصميم، تقول ما يراه مبدعها حريّا بأن يقال في صور شعرية مبتكرة.

وإذا كان "نشيد الأيام الستة" لمحمد الصغير أولاد أحمد يدين سياسة مرحلة، فإن قصيدة صديقنا آدم فتحي هي أشبه ما تكون بمرثية للحلم المجهض، فهي تدين في ألم وحسرة سياسة نصف قرن لم يفلح خلاله أصحاب القرار في جعل البلاد ملكا لعبادها، يستوون في الانتفاع بخيرها، وينعمون في غير ميز بعدالتها، ويحلمون معا بصنع غدها.

* نص"قصيدة الخمسين"

أنتَ ذا بعد خمسينَ...
لا الطفلُ شابَ ولا الشيخًُ طابَ ولا القلبُ تابَ عن الحُلمِ. ماذا طلبتَ؟ القَلِيلَ: سَماءً أَخَفَّ وَمَوْتًا أَعَفَّ وَخَرُّوبَةً لاَ تَمِيلُ وحَريَّةً حُرَّةً وبِلادًا تَكُونُ وَلاَ تَسْتَحيلُ وَشِعْرًا تُعَطِّرُ فيه القناديلُ شَعْرَ المَطَرْ
ثُمَّ قُلْتَ لِأَطْلُبْ أقَلَّ: عَرُوسًا لِرُوحِي وأغْنِيةً لِعَرُوسِي وبَيْتًا لِأُغْنِيَتيِ وَجَوازَ سَفَرْ

ثمّ دارَتْ بِكَ الأرْضُ لَمْ تمْتَحِنْ قَرْيَةً في قُراها مِنَ الملحِ للملحِ إلاَّ بدتْ وهْيَ تَرْجُفُ في نخْلَةِ الرِيحِ كالرُطَبَةْ...

"هل هي الأرضُ أم لَوْحَةٌ للمُحاةِ ومِقْلَمَةٌ للغُزاةِ وحِبْرٌ جديدٌ لِتجميلِ موْتِ الحياةِ ومَدْرَسَةٌ للتخصُّصِ في عَلَفِ الثكَناتِ وسُورٌ يُزَيِّفُ بابَ النَجاةِ وبابٌ على البَحْرِ يدخُلُ منهُ الجرادُ لِيبقى العبادُ على العَتَبَةْ؟"
***
أنتَ ذا بعدَ خمسينَ...
نفسُ الصواعقِ ترْجُمُ سَقْفَكَ، نفسُ الروائح تُزْكمُ أنْفَكَ، نفس السلُوقِيِّ يركُضُ خلفَكَ. أينَ أضعْتَكَ؟ فِي أيِّ مَقْهى نَسِيتَكَ؟ في أيِّ تاكْسِي؟ عَلى أيِّ طاوِلةٍ؟ في حَقِيبةِ أيِّ امْرَأَةْ؟ أيُّ غُرْفَةِ سَطْحٍ مَضتْ بِجَناحيكَ؟ أيُّ خُطاكَ التي لم تَقُدْكَ إليكَ، لِتذْرَعَ هذي الشِباكَ إلى حُلُمٍ مُزْمِنٍ وإلى جِهَةٍ مُرْجأةْ؟
أَيُّ جِنِّيَّةٍ وقَفَتْ مِنْ سِنِينَ تَدُقُّ النَواقِيسَ قُدَّامَ بابكَ، تَسْتفسرُ العَابِرينَ عَن الحُلْمِ، هَلْ صَادَفوهُ، وَتَغْزوُ مَسَارِحَ أَلْعَابِهم؟ أيُّ جِنِّيّةٍ أعْمَلَتْ في قُراهم مخالِبَها الصدئةْ
عَقِبَ الحُلْمِ كَيْ يسْتَطِيبُوا الكَوابِيسَ؟ لاَ تَقْرَبُوا الحُلْمَ "تَهْمسُ" لا تَقْرَبوهُ، وَتُبْصِرُهم صابِرِينَ فتَمْنَحُ كُلَّ وَلِيدٍ لَهُمْ مَلَكيْنِ وبُولِيسَ، كَيْ يَحْرُسُوهُ مِنَ الحُلْمِ أو يهْرسُوهُ معَ الحُلْمِ أو يُلْقِمُوهُ نَواعِيرَ مُجْتَزأةْ
مِنْ كِتَابِ الطوَاحِين؟ كَيْفَ استحالُوا جَواسِيسَ كُلٌّ عَلى حُلْمِهِ وعَلى الآخَرِينَ؟ عَلى أيِّ هَزّاتِهم نشرَ المَوْتُ مَرْقَدهُ؟ تَحْتَ أيِّ حرائِقِهم حفرَ اليأسُ مَخْبَأَهُ؟ عِنْدَ أيِّ هزَائِمِهم فجّرَ الحُزْنُ مُتَّكَأَهْ؟
وعَلى أيّ خَيْباتِهم كُسِرُوا كالمرايا، لِيَمضِيَ كلٌّ إلى حيثُ يضربُهُ أُفْقُهُ بالزوايا، فيَضْرِبَ في كُلِّ أَرْضٍ شَظَايَا لِمِرْآةِ نَرْسِيسَ يَرْنُو إلى وَجْهِ صاحِبِهِ فَيَرَى جَمْرةً مُطْفَأةْ؟
***
أنتَ ذا بَعْدَ خمسين...
بِنْتٌ ومَكْتَبَةٌ، وبِلادٌ مُعَطَّبَة، وضِباعٌ مُطَوّبةٌ، وأغانٍ مُقَصَّبَةٌ، وأصَابِعُ مقطوعةُ العزْفِ مفجوعةُ النَزْفِ ممنوعةٌ من رثاء الوتَرْ
تقتفي أثَرَ الطفل فيكَ، تَرى الطفلَ في كُرَةِ الجِلْدِ، في لَغْوِ خُذْرُوفِهِ وهْوَ يَلْغُو على الحَجَرِ الصَلْدِ، تُرْقِصُ مِقْلاعَهُ في يَديكَ مِرارًا وتسألُهُ أنْ يُزِيحَ القَدَرْ
كَيْ تَمُدَّ قِطارَ الصِبَا بِبَطارِيَّةِ الكهْرَبَاءِ وترْقَى إلى غُرْفَةٍ في السماء وتشْبَعَ لَهْوًا وتُدْفِئَ لَيْلَ الشِتَاءِ وتنْسَى ولوْ مرَّةً لُعَبَ الكَمْبِيُوتْرِ الحديثةِ وهْيَ تُحاوِلُ شَنْقَ الهَواءِ بِحَبْلِ صِبًا شَابَ قَبْلَكَ قبلَ الغِناءِ وبعدَ الغناءِ وقَبْلَ غُرُوبِ النهارِ وقَبْلَ طُلوعِ القَمَرْ
" أذْكُرُ الآنَ ذاكَ الحصِيرَ وذاكَ القِطارَ الصَغِيرَ ومِنْ حَوْلِهِ إخْوَتي يَتبَارَوْنَ، أذْكُرُ بَيْتًا صَغِيرًا عَلى التَلِّ يَغْدُو إذا أقْبَلَ الليْلُ حَقْلاً من البُنِّ والصالِحي والسَمَرْ
كُنْتُ أكْبَرَهُمْ، كُنْتُ وحْدِي الكَبِيرَ، وكانُوا يقولونَ لا تَبْكِ لا تَشْكُ مِثْلُكَ أكْبَرُ مِنْ كلّ هذا الهذَرْ
كيفَ أُقْنِعُ يا أبَتِي الطِفْلَ في صورتِي أن يُعَوِّضَنِي اليومَ عَنْ كُلِّ ما فاتَنِي من بُكاءِ الصِغارِ ولهْوِ الصِغَار ومكْرِ الصغارِ وتلك كُنوزُ الصِغَرْ؟"
***
أنتَ ذا بعدَ خمسينَ...
هل كنت تحتاجُ هذي الطواسينَ: بنتًا وأغنيةً من رمادٍ وشِبْهَ متاهٍ وشِبْهَ بِلادٍ وشِبْهَ جُنونٍ وشِبْهَ رشادٍ وشِبْهَ محاولةٍ للبقاء وشبْهَ محاولةٍ للفرارِ وشبْهَ عماءٍ وشبْهَ بَصَرْ

كي تعلّمَ روحَكَ أنّ اللُصوصَ لُصوصٌ وأنّ الفُصوصَ فُصوصٌ وأنّ الحقيقةَ مثل السماء البعيدة تبدو، إذَا لم تُحرِّكْ سواكنَها صُوَرُ الشعرِ، دومًا سعيدةْ؟
ولكنّهم لا يحبّون من صُوَرِ الشعر
إلاّ عَماءَ الصُوَرْ
***
أنتَ ذا بعدَ خمسينَ...
تُطلقُ روحَكَ سَهْمًا إلى قَوْسِهَا في القَصِيدةِ، تَرجِعُ من كلِّ شيءٍ إلى جنباتِ القصِيدةِ، ثمَّةَ تُشْعِلُ ناركَ نارَ القلوب العميدةْ
وتفْتَحُ قوْسًا وتبحثُ عَن جهةِ الشعْرِ. كنتَ مع الشعر دومًا،
ولكنّهم لا يُطيقونَ شعرًا
إذَا لم يكونُوا سَمَاهُ الوحيدةْ

نََزعْت ثِيابَك لا يَحْفَلُون. وأشرَعْتَ بابكَ لا يَدخُلون. وأوْلَمْتَ كُتْبكَ لا يأكُلُونَ. فعَلَّمْتَ رُوحكَ بعضَ الشُخُوصِ إلى كُلِّ رُوحٍ شَرِيدةْ

وقُلْتَ لأَمشِ على جمْرَتِي بكتابي، وقلتَ لأصبرْ على محنتي وذئابي، وقلتَ لأَرْمِ الظلام ولو بهشاشةِ أغنيةٍ في جريدةْ
لعلِّي أرَ الأرضَ أجْمَلَ بعدَ انقشاع الضبابِ، فأُلْبِسُني جَسدِي هامِسًا:
لاَ بِلادَ لنَا أيُّهَا الشعْرُ
خَارِجَ غُرْبَتِنَا في القصيدة
ولكنّهم لا يحبّون من صُوَر الشعرِ
إلاّ قِصارَ الصُوَرْ
***
أنتَ ذَا بعد خمسينَ...
بيتٌ بلا ساكنينَ. وشيخٌ بدون مُرِيدينَ. لا أنتَ حيٌّ ولا أنتَ ميْتٌ ولا أنتَ بينَ المُعَزِّينَ. تحتكَ تهوِي الهُويُّ، وخلفكَ يجري السلوقيُّ. ماذا فعلتَ بهمْ كي يعيشُوا يعيشُوا وأنت تموتُ، ويسْكُن في حُلْمِكَ العنكبوتُ، كأنّك لا شيءَ أو لا أثرْ؟
خُذْ مَكانَك فيكَ إِذَنْ...
خُذْ مكانًا كشعبِكَ فِي هامشِ الصَفِّ، خُذْ صخرةَ المنتهى واصْعَدِ الجبَلَ المُرَّ وامْضِ بلاَ أيّ وهْمٍ إلى آخِرِ المَوْتِ، والْبَسْ قِناعَ الخَسارَةِ كي تغلبَ الموتَ، واخْرُجْ لِأَخْرُجَ من جُثَّتِي، وامْتَحِنْ أَصْدِقاءَكَ بِي "الصَادِقُونَ قَلِيلُونَ والأصْدِقَاءُ كُثُرْ"
وإذا كان لابدّ فاترك لهم هذه الأرض
واسعةًًً...ولحينٍ...فأَنْتَ الغَنِيُّ
وأمْوالُكَ العَثَراتُ وأنْتَ الغَنِيُّ
وأمْوالُكَ الحَسَراتُ وأنْتَ السَرابُ
سَرابُ النَجاةِ
إلى أنْ يَتمَّ الكِتابُ
كِتابُ الرمادِ
رمادِ العِبَرْ...

المصدر: العرب أونلاين-ابو بكر العيادى

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الشاعر التونسي آدم فتحي في مرثية الحلم المجهض0

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
Most Popular Tags
  • آدم فتحي
  • ,
  • أحمد الكسراوي
  • ,
  • ادم فتحي
  • ,
  • احمد الكسراوي
  • ,
  • تعريف أحمد الكسراوي
  • ,
  • تعريف الكاتب أحمد الكسراوي
  • ,
  • أحمد الكسراوي
  • ,
  • الكاتب أحمد الكسراوي
  • ,
  • تعريف الكاتب احمد الكسراوي
  • ,
  • تعريف احمد الكسراوي
  • ,
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager