اخبار عرب نت فايف
سوق السيارات المستعملة
مساحة اعلانية
ثورة 25 يناير أخبار العالم اخبار الرياضة اخبار المال والاقتصاد اخبار المسلمين الصحة والجمال الأسرة والطفل علم وتقنية اخبار الفن والثقافة اخبار البيئة مقالات

مفارقة الرواية العربية.. «قليل من الحب.. كثير من العنف» نموذجا

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › مفارقة الرواية العربية.. «قليل من الحب.. كثير من العنف» نموذجا

الإثنين, ‏19 ‏أبريل, ‏2010

صورة الخبر: مفارقة الرواية العربية.. «قليل من الحب.. كثير من العنف» نموذجا
مفارقة الرواية العربية.. «قليل من الحب.. كثير من العنف» نموذجا

"إن أعمال المصلحين لن تفعل شيئا مادام الإنسان هو هو، سواء أكان في أعلى السلم أو في أسفله"، بلزاك

لا شك أن عنصر المفارقة هو من العناصر الفعالة في إبراز وتجسيد أوجه الحياة وتأزماتها المختلفة في الفن الروائي، وأن الرواية قد استخدمت هذا البعد الرمزي للتعبير عن نوازع وجود الإنسان وحقيقته في هذا الكون وصلته بذاته وبالآخرين.

فإشكإليات الحياة والموت والخير والشر والحب والعنف كلها متناقضات تمس واقع المفارقة وتدعم معانيها، كما يمثل هذا العنصر تناصا مجازيا لكثير مما يحدث في ممارسات الحياة من متناقضات ومفارقات تحدث على مستوى الواقع وتحمل في طياتها إخفاقات وتأزمات هذا الواقع ومن ثم فإن إخفاء الحقائق والايحاء بنقيضها هي السمة الأساسية لإبراز هذا العنصر وتجسيده، حيث تمثل المفارقة بصورها المختلفة في النصوص السردية الروائية والقصصية موقفا استراتيجيا له شفرة وعلامة خاصة تتجسد في نسيج النص بشخوصه وأحداثه لإبراز رؤية التجربة في هذا العالم على حقيقتها.

ولعل العالم الروائي للكاتب الراحل فتحي غانم يحمل في نصوصه السردية - القصصية والروائية - هذا العنصر الفعال المبرز لطبائع البشر وجبلتهم، والمجسد لتأزمات الواقع وما يطرأ على المجتمع من تغيرات نتيجة مفارقات وتناقضات تمس الواقع المعيش، وترتبط ببنية المجتمع ونسيجه الطبقي.

فمنذ روايته الأولى "الجبل" الصادرة سنة 1957 وحتى "صاحبة العظمة وصاحب الفخامة والشيوعي السابق" آخر أعماله الروائية والتي صدرت بعد رحيله عام 2001، مرورا بهذا الزخم السردي المتميز في مجالات الرواية والقصة والقصيرة نجد هذه التيمة متأصلة ومتواجدة بإلحاح شديد في معظم أعماله الإبداعية في هذا المجال.

ولا شك أن رواية "قليل من الحب.. كثير من العنف" تمثل نموذجا أصيلا يتجلى فيها عنصر المفارقة ومتناقضات الحياة الفجة في نسيج هذا النص من خلال استعادة واقع مأزوم، هش، يحمل داخله قليل من الحب المتبقي من أيام كانت تحمل داخلها هذه النزعة الإنسانية الجميلة، وكثير من العنف القادم مع عهد أصبح فيها الزيف وسطوة المال والإنسان المكيافيللي هي كل شيء في هذا العصر.

لذا كانت المتناقضات والمفارقات هي روح العصر، وأن المعنى الحقيقي للحياة يحمل داخله معنى آخر زائف: "فالمفارقة ليست مسألة رؤية معنى "حقيقي" تحت آخر "زائف".. بل هي مسألة رؤية مزدوجة.. على صفحة واحدة" "1"، وهذا ما يمثله هذا النص من خلال رؤية معنى حقيقي سائد في ساحة الحياة له سطوة المال وسلطان المرأة وله طغيانه الخاص على الحياة، وآخر له أيضا معنى حقيقي ولكنه يبدو وكأنه ليس له وجود فقد طغت المصلحة الشخصية والمنفعة الذاتية على الحب وانتشر الشر على حساب الخير، وأصبحت الحياة تقاس بماديتها وليس بمقياس آخر، وكما قال الكاتب في كلمته التي لا بد منها في العتبة الثانية من النص والتي جاءت بعد العنوان مباشرة: "أحداث وأشخاص هذه الرواية من صميم الواقع المصري كما عاصرته في نهاية السبعينات" "2" أي أن هذه الأحداث الواردة بالرواية قد حدثت بالفعل بشخوصها وأحوالها وصراعاتها وكافة ما يرتبط بجوانبها المختلفة كما جاءت بالنص.

منذ العتبة الأولى للنص وهي العنوان والتي تمثل العلامة الأولى المنشيءة لعنصر المفارقة في هذا النص الروائي، يحمل العنوان في مفرداته اللغوية مقطعين متساويين في عدد المفردات، الكلمتان لهما دلالة الكم، والمفارقة بينهما في تقدير المعنى واضحة في الذائقة والتأويل، لكنهما يحملان في مضمونهما عنصر المفارقة والتضاد في المعنى المتأصل في هاتين المفردتين، المفردة الأولى وهي في العبارة الأولى مفردة "قليل"، والمفردة الأولى في العبارة الثانية وهي مفردة "كثير"، والمفردة الثالثة في العبارة الأولى وهي مفردة "الحب"، ونفس ترتيب المفردة في العبارة الثانية وهي مفردة "العنف"، والمفارقة بينهما وإن كانت لغويا إنما هي تحمل في طياتها جزءا من الغاية الفنية لدى الكاتب في كشف ما وراء السطور من معاني تمسّ وتطول الواقع المتأّزم داخل النص، وهو ما يريد الكاتب أن يصرح به من خلال متعة التلقي والدعوة الصريحة للبحث داخل النص عن هذه المتعة من خلال العنوان وهو الذي يمثل عتبة النص واستهلاله الأساسي...

إن الزلزال الذي أحدثه الانفتاح في المجتمع قد قلب الأوضاع رأسا على عقب، فاختلط مصير النائب العام بأسطى ميكانيكي تحّول إلى مليونير. وارتبطت حياة المهندس ابن الذوات بابنة مونولجست أدمن الأفيون، وجمعت سهرات الليل لص السيارات، مع المهندس، ومع الخبير الأمريكي الذي حارب في فيتنام!.. إنها مرحلة ما بعد صراع المناصب والطبقات في "الرجل الذي فقد ظله"، وصراع الغاب بين المثقفين في "زينب والعرش"، وصراع الأجيال في "الأفيال".. إنه صراع عصر الارهاب والعنف في مواجهة محاولة الإنسان لأن يتمسك حتى آخر لحظة في حياته بنسمة حب" "3". إنها المفارقة الحادثة في المجتمع جراء زلزال كبير حدث طال الناس والمال وأطاح بالحب وأفرز كثيرا من العنف في ساحة المجتمع وبين جنباته.

وتمثل الشخصية المكيافيللية في النص وهي سمة غالبة وسائدة في أنحاء هذا النص، في مشاهده، وأحداثه، وشخوصه، فكل شخصية أتي بها الكاتب تحمل هذه السمات الممثلة لروح العصر في ذلك الوقت من السبعينات من القرن الماضي، بدءا من الشخصيات الرئيسة الثلاثة "المهندس طلعت" نجل المليونير مرسي فرج واللذان يمثلان معا سطوة المال على كل مقدرات الحياة والخارجين توا من تحت خط التهميش، متجاوزين في ذلك كل الخطوط الحمراء وغيرها من الخطوط الفاصلة بين الطبقات المختلفة، و"المهندس يونس" ووالده عبد الحميد صفوت النائب العام وهما يمثلان جانبا إجتماعيا له أيضا سطوته الخاصة في الحياة العامة باعتبار أن الأب وهو النائب العام يمثل سلطة الحكومة المتحكمة في النيابة والشرطة وغير ذلك من جوانب السلطة القضائية الآمرة والنهاية في كل مقدراّت المجتمع.

غير أن شخصية يونس مع كونه ابن أبيه النائب العام إلا أن حضوره الذاتي داخل النص بحكم طبيعته ونشأته في هذا البيت يأخذ جانبا رومانسيا من الحياة فهو يكره الظلم ويميل إلى العدالة وله نزوع خاص للفردية والتقوقع والتداخل مع الذات، ربما هي طبيعة مترسبة فيه من خلال النشأة في طبقة برجوازية متسلطة تجمع بين أب له هذه الحيثية الاجتماعية الكبيرة، وأم من طبقة برجوازية لها أصول تركية.

لذا كان يونس يميل إلى الهدوء والتعقّل وعدم الإنفعال في كل ممارساته وأموره الخاصة والعامة، وكانت نظرته إلى الحياة هي نظرة موضوعية لها بعد إنساني فيه من الجوانب الخيرية الشيء الكثير. أما الشخصية الثالثة في مثلث هذه الشخصيات الرئيسة في النص فهو "سيد العتر" سائق السيارة الذي يمثل الانتهازية الطبقية المتطلعة إلى الحصول على مكتسبات غير مشروعة بأي وسيلة مكيافيللية ممكنة.

فهو الشخصية الساعية إلى الشر بوسائلها الخاصة وهو يستغل موقعه كسائق في التنصت على من يعمل معهم استغلالا لأي ظرف يتربّح منه، هو من نفس الطبقة التي خرج منها الحاج مرسي فرج وأبنه طلعت إلا أنه لم يحقق مثل ما حققته هاتان الشخصيتان من ثروة ومال وسلطة، لذا فإنه سعي بكل الوسائل حتي يصل إلى ما وصل إلىه الحاج مرسي فرج وابنه طلعت، المال والمرأة والسطوة، حتى يكون ندا لهما مثل ما كانا هما ندا له ولأبيه في الزمن القديم.

رأي طلعت يحصل على فاطمة التي كانت بالنسبة له هي كل آماله دون أن يستطيع فعل شيء لذا نراه في نفس إليوم الذي تزوج فيه طلعت بفاطمة يمارس هو سرقة السيارات كنوع من المعادلة الصعبة في حياته، أو كنوع من التلذذ بالإضرار بالآخرين.: "أيام الطفولة، كانت المنافسة شريفة، والندية متوافرة بين سيد وطلعت.. كلاهما أبوه ميكانيكي، كلاهما بيته مثل بيت الآخر، طلعت ينام في حضن أم سيد، وسيد ينام في حضن أم طلعت. ولكن الأيام دارت. وها هو طلعت له المال.. وله فاطمة. وله الهندسة.

أما سيد العتر، فليس له شيء الا ما يخطفه.. وليكن. فهو سوف يخطف كل ما يستطيع أن يخطفه" "4". لقد حددت هذه الشخصيات الثلاث داخل النص معادلة المفارقة سواء على مستوى الوضع الاجتماعي الممثل لثلاث طبقات مختلفة، طبقة اجتماعية متحكمة بحكم المنصب، وطبقة متسلطة متحكمة بحكم المال، وطبقة أخرى طفيلية تحاول الوصول إلى أي مكاسب نابعة من الطبقتين الآخرين في هذا العصر، وهذا المجال. بأي طريقة ممكنة... ولعل سطوة المال والبحث الدائم عن السلطة في هذه المرحلة المسماه مرحلة الانفتاح الاقتصادي التي كانت مفارقتها على الوضع الإقتصادي هي الحالة المنتهية إليه شكل وطبيعة المجتمع آنئذ.

فقد انقلب الهرم الاجتماعي في ذلك الوقت رأسا على عقب وأصبحت طبقة من المهمشين والصاعدين من قاع المجتمع هم النخبة المتحكمة في الاقتصاد المصري بينما تحولت طبقات القمة أو الرأس الهرمي للمجتمع إلى طبقة جديدة مهمشة ونشأت المفارقة الكبري في المجتمع المصري وتحولّ المجتمع من مجتمع سيادي تحكمه سيادة القانون إلى مجتمع نفعي تحكمه المادة والمال والمصالح.

وكانت أقدار شخصيات النص الرئيسة هي التي جمعت في بداية الرواية في السيارة التي يقودها سيد العتر وليتحقق من خلالها هذا البعد الرئويوي لظهور هذه الطبقات: "وإذا كان لنا أن نصدق ما يقال أن الناس تصنع أقدارها بنفسها، وأنها تندفع إلى مصيرها بوعي أو بغير وعي بما تكسب أو تختار من مواقف الحياة، فلا شك أن هذا يصدق تماما على هؤلاء الرجال الثلاثة في العربة الجيب. المهندسان طلعت مرسي فرج، ويونس عبد الحميد صفوت والسائق سيد العتر. ثلاثة عوالم مختلفة، ثلاثة أكوان متباعدة، ولكنها توشك أن تصطدم في حركتها، ويحدث بينها الاحتكاك الذي يتحول إلى انفجار وحريق كبير" "5".

ويمثل "المهندس طلعت مرسي فرج" داخل النص أحد رموز الطبقة الصاعدة حالة من الحالات الناتجة عن الانفتاح الاقتصادي بكل معاييرها، ومفارقاتها الخاصة، وهو يستمد سطوته من أبيه الحاج مرسي فرج وملايينه التي جمعها من تحالف السلطة مع طبقة المهمشين أمثال هذا الميكانيكي البسيط، وظهور هذا التعبير الدراج الذي كان يمثل الظاهرة السائدة في هذا الوقت "شيلني واشيلك".

من هنا ظهرت هذه الطبقات الصاعدة، وشكلّت نسيجا جديدا للمجتمع المصري كان ديدنه الضرب بعرض الحائط على القيم المتوارثة، وأخلاق القرية كما كان يطلق عليها آنئذ، وكان الوصف الجسدي الذي أطلقه الكاتب على طلعت يكاد تنسحب دلالته ومعانيه على الجيل بأكمله: "كان المهندس طلعت مرسي فرج في الرابعة والعشرين، ربعة، اسمر، له وجه مربع، رقبته قصيرة، يكاد رأسه الضخم يلتصق بكتفيه مباشرة عيناه سوداوان زنجيتان مثل شفتيه الغليظتين فيهما جوع أو نهم الحرمان أو شهوة، مخبره مثل مظهره" "6".

كان هذا الوصف هو ما جاء بالنص، وهو يمثل جيل جديد من الصاعدين على أكتاف طبقاتهم، ولعل هذا الوصف يمثل علامة وشفرة خاصة لهذا الجيل تبدو فيه الشراهة، والجوع، والنهم بعد الحرمان، وتمثل دلالته معني خاص يخص هذا الجيل الذي تسلق على أكتاف الجماهير الوسطي من الناس.

تزوج طلعت من فاطمة أبنة زكريا وهو مونولجست شعبي يعيش في المنطقة، وكان هذا الزواج يمثل رغبة أو نزوة خاصة تجاه جسد فاطمة فقط، دون أن تكون للمشاعر والأحاسيس جانبا في هذه الزيجة، وعندما فاتح طلعت والده الحاج مرسي فرج بهذا الأمر اقتنع بوجهة نظر إبنه من منطق خاص قريب من فكره واقتناعه بسطوة المال على الناس جميعا: "إن الأمر بالنسبة له الآن ليس في الزواج، إنه في المرأة، في حاجة إلى جسد لا يؤرقه التفكير فيه، في اطفاء رغبته في فاطمة.. هذه هي الحقيقة" "7".

وعلى الرغم من أن هذا الزواج قد أثمر بطفلة "إحسان" فقد طلّق طلعت فاطمة، في أول بادرة له للزواج من طبقة السلطة العليا في البلد اعتمادا على ثروة أبيه وقربه من مراكز السلطة، فهوعندما رأي "سارة" شقيقة المهندس يونس، واحتك بها في مقابلة وحوار سريع دار بينهما، بادر على الفور في طلب الزواج منها، وأصر على هذا الطلب، وفاتح أبيه في ذلك بل وسافر على الفور إلى القاهرة دون تفكير لمقابلة النائب العام لمفاتحته في أمر الزواج من كريمته، لكن هذا الزيجة لم تتم وتحوّلت إلى مكان آخر من طبقة النبلاء، لاعتبارات وجدها طلعت أنها تمس شخصه، وحيثيته، وهي الآنسة "ميرفت مهيب"، حفيدة النبيل مختار مهيب، وكريمة رجل الأعمال علاء مهيب صاحب مطعم الياقوتة الحمراء.

مما أشعل فتيل أزمة معقدة طالت كل من فاطمة مطلقة المهندس طلعت، وسارة الخطيبة التي لم تحظ به، وأسرتها التي كانت تأمل من هذا الزواج في أشياء كثيرة منها ملايين الحاج مرسي فرج، ثانيا أن تمد خدمة النائب العام سنة أو سنتين على الأقل جراء هذا النسب القريب من مراكز صنع القرار.

لقد كانت المفارقة في هذه الحدث مترسبة في رغبة طلعت في جسد فاطمة وليس في مشاعرها وأحاسيسها، فهو يرغب في جسدها ولكنه يكره مشاعرها وهنا وجه المفارقة، لذا قال لوالده: "إن الشيء الذي يدمن عليه، يثير كراهيته، بقدر ما يثير رغبته وإنه يشعر بالتحدي له بقدر ما يشعر بخضوع مهين له.

كان يكتشف لأول مرة أبعاد من الكراهية لفاطمة توازي تماما تلك الرغبة المحمومة في الاستيلاء علىها" "8"... وفي لحظة من لحظات المواجهة بين كل من سيد العتر ويونس حول فاطمة، يقتل سيد العتر يونس وتتحقق المفارقة المأساوية في نهاية هذا النص لتعلن عن نفسها. إن دلالة المأساة في مشهد الصراع بين الواقع المادي المحسوس وتجربة الحب القليل الذي يجابه بكثرة العنف وشدته هو الذي ولد مفهوم المفارقة بين الكلمات والأشياء، ولعل آلية التأويل التي حددها الكاتب في مقدمته للنص بأن الإحالة الحقيقية لهذا الواقع إنما هي مستمدة من واقع حقيقي له شخوصه وزمنه وأمكنته المحددة في خريطة الواقع.

اختار الكاتب لروايته المكان السكندري كمسرحا لأحداث هذا النص الروائي، حيث التمرد والجرأة والتقلب ومناخ البحر والشتاء المضمخ بالأعاصير والعواصف وهي سمات تتمتع بها الإسكندرية ولتكون الإسكندرية هي المفارقة الثانية التي اشتغل عليها الكاتب ليحيل من بعض أماكنها، طاقة تبرز الخط الدرامي المتأصل في نسيج النص، من خلال البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحيث ميناء الإسكندرية وجمركه كنفذ تجاري محقق للثروة باعتبار أن النص يعّول على سلطة المال وصعود بعض الفئات الإجتماعية إلى قمة الهرم الاجتماعي عن طريق المال.

كما كان لذاكرة الزمان المختطة في ضمير الحياة الاجتماعية عند الناس آنئذ لها أبعادها الخاصة في توفير المناخ المناسب لتأصيل المكان السكندري داخل النص، وكأن الكاتب بهذا الاختيار المكاني قد وضع في ذاكرة النص وزمانه المعروف وهو فترة الانفتاح الاقتصادي المكان المناسب لعرض الأحداث، وتاريخها، فمن يمتلك الرواية يمتلك الذاكرة والتاريخ ولعل التاريخ الاجتماعي للإسكندرية قد شهد الكثير من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما جعله مكان نموذجيا لتجسيد المفارقة الدرامية في هذا النص الروائي.

وقد سبق أن احتفى فتحي غانم في بعض نصوصه بالمكان السكندري فشخصية اليوناني كوستا في "الأفيال" من الإبراهيمية بالإسكندرية، كما تدور أحداث رواية "ست الحسن والجمال" في الإسكندرية حيث جسد الكاتب في هذه الفانتازيا الروائية معالم الإسكندرية تخييليا وواقعيا، كما تدور أحداث رواية "من أين؟" في الإسكندرية، على أرض الواقع والخيال حين نزلت عليها شخصية علياء من القمر إلى الأرض.

لقد كانت الإسكندرية هي المفارقة الضخمة في تجسيد نماذج السرد في عدة نصوص في عالم الكاتب، إلا أنها في "قليل من الحب.. كثير من العنف" تمثل حالة خاصة من حالات المكان التي تدور عليه دراما الواقع بمفارقاته وشخوصه المختلفة في عصر الانفتاح الاقتصادي الذي قلب الأوضاع رأسا على عقب.

فعادة ما تتناسل القصص في اللغة وفي تناص المواقف والشخوص والأحداث، وكثيرا ما نجد علامات فارقة في نسيج النص الروائي تحمل داخلها أبعادا تتداخل لتشكّل بنية العمل الروائي، عبر مفارقات الشخصية المتحركة داخل النص والخط الدرامي المتحلقة حوله أبعاد الشخصيات وممارساتها وطبيعتها الخاصة، كذلك البعد الإنساني الذي يمثل صلب المفارقة وتجلياتها داخل النص، وغير ذلك من الجوانب التي تعّول عليها الرواية في تجسيد مفارقاتها وما يحدث فيها على مستوى الواقع من خلال الإحالات التي حددها الكاتب في تجليات سرده الحكائي تجاه القارئ: "يمارس هذا القارئ فعل الإحال؛ فالإحالة تصاغ لأن ثمة تاريخا وثمة واقعا.

وإن ما يجعل الإحالة أمرا ممكنا وليس وهم الروائي وحسب، أو خياله، بل وجود هذا الواقع، أو ذاك التاريخ" "9".

ففي هذه المشهد الأخير من النص تتبدي المفارقة في أجل معانيها وأسمي تعبيراتها، حيث ينتهي النص بهذه النهاية المأسوية وهذه المفارقة الكبري هي مقتل يونس على يد سيد العتر حينما تصدي للدفاع عن زوجته فاطمة، وقد جسد الكاتب هذا المشهد تجسيدا حيا لكل الأحداث الدائرة والمشكلة بؤرة مهمة من بؤر الصراع في هذه المقاطع القصيرة،: "في تلك اللحظة، وبينما دماء يونس تسيل، كانت فاطمة تفيق لتري يونس ملقيا على الأرض، مضرجا في دمائه، جسده يرتعش رعشة الاحتضار وهي عاجزة عن الفهم، عاجزة عن الصراخ، عاجزة عن الحركة" "10".

"في تلك اللحظة، وبينما دماء يونس تسيل، كان عبد الحميد صفوت النائب العام السابق، يقول للمهندس سمير الساحر أنه واثق أن الحاج مرسي فرج سيكون عند وعده" "11". "في تلك اللحظة وبينما دماء يونس تسيل، كان الحاج مرسي يقول لطلعت، أنه تحدث مع يونس برعونة. وأن التعامل مع الضعفاء لا يكون بالعنف، فاللين والعطف تأثيرهما أكبر وعائدهما أفضل من الخشونة والعنف" "12".

"في تلك اللحظة وبينما دماء يونس تسيل، شعرت الحاجة زهيرة بألم حاد في صدرها، وأطلقت آهة وصاحت تطلب من الخادمة كوب ماء لتبتلع قرصا مهدئا بدأت تجربة صباح اليوم في تلك اللحظة" "13". "وبينما دماء يونس تسيل، كان مستر كلارك يحدث نفسه بأنه غير واثق أن لدي يونس من القدرات، ما يستطيع بها أن يدافع عن نواياه" "14". بهذه المقاطع الموازية لمشهد مقتل يونس، كانت هناك مفارقات زمنية تحدث على مستوي الواقع، هذه المفارقات تجعل الحياة تتوازن مع مشهد الدماء السائلة ورعشة الاحتضار ترسل لحظات قصار دوي بعدها صوت فاطمة مجلجلا في الإسكندرية كلها: "قتلتموه يا مجرمين" "15".

وكما يقول فتحي غانم في إحدى حواراته حول مفهوم الصراع، وحول حتمية الحياة بكل مفارقاتها: "الإنسان يخوض معركة، وحياته صراع دائم ومستمر لا يهدأ. ومهما فعل الانسان فإن انتصاره هو في مواصلة هذا الصراع.. وهو يعلم أن مصيره، كفرد، هو الموت.. وأن نجاحه هو في ما يتركه من عمل للمجتمع، للبشرية، للإنسانية.

اذا أدرك الانسان هذه الحقيقة سيفهم معني حياته: أن عليه أن يستمر في هذا الصراع، وانه سيواجه هذا الصراع بشكل دائم، وأن النعمة الحقيقية في هذه الحياة هي أن يكون الانسان قادرا على الصراع، وعلى مواجهة متطلبات هذا الصراع. وأن يعلم في نفس الوقت، أن الموت نهاية طبيعية، وهو ثمن حياته، وأنه كلما اقترب من الحياة كلما اقترب من الموت.. وأن الموت هو الوجه الآخر لنفس العملة.. وأن البعد عن الحياة هو البعد عن الموت.. فإذا استطاع الانسان أن يفهم هذا، وأن يدرك أن انتصاره ليس انتصارا له، عندئد تتحقق لهذه الصراع طبيعته" "16".

المصدر: العرب أون لاين-شوقي بدر يوسف

احفظ الخبر وشارك اصدقائك:

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على مفارقة الرواية العربية.. «قليل من الحب.. كثير من العنف» نموذجا

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

Most Popular Tags
  • فيلم قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • فيلم قليل من الحب كثير من العنف اون لاين
  • ,
  • مشاهدة فيلم قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • مسلسل قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • تحميل فيلم قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • مشاهدة فلم قليل من الحب كثير من العنف
  • ,
  • فيلم قليل من الحب كثير من العنف مشاهدة مباشرة
  • ,
  • ثمة مكان للحب
  • ,
  • كثير من الحب كثير من العنف
  • ,

    24/4/2014
    سيارات ومحركات
    اخبار السيارات اخبار السيارات
    سوق السيارات سوق السيارات
    كمبيوتر وجوال
    أخبار الكمبيوتر والانترنت أخبار الكمبيوتر والانترنت
    أخبار الجوال والموبايل أخبار الجوال والموبايل
    سوق الكمبيوتر سوق الكمبيوتر
    سوق الموبيلات والجوالات سوق الموبيلات والجوالات
    وسائط متعدده وترفيه
    أجمل الصور أجمل الصور
    كاريكاتير كاريكاتير
    العاب فلاش العاب فلاش
    خدمات ومعلومات
    إعلانات مبوبة إعلانات مبوبة
    دليل المواقع العربية دليل المواقع العربية
    دليل الشركات دليل الشركات
    الأخبار الأكثر قراءة
    كل الوقت
    30 يوم
    7 أيام
    روابط متميزة
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر كافة حقوق النشر محفوظة لأصحابها من المواقع والكتاب والناشرين وشبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن الآراء والتعليقات المعروضة في الموقع إذ تقع كافة المسؤوليات القانونية والأدبية على كاتبها أو/و المصدر الخاص بها.
    شبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية.
    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager