إميلشيل.. تراث «أيت حديدو» وذاكرتها

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › إميلشيل.. تراث «أيت حديدو» وذاكرتها

صورة الخبر: إميلشيل.. تراث «أيت حديدو» وذاكرتها
إميلشيل.. تراث «أيت حديدو» وذاكرتها

السبت, ‏27 ‏فبراير, ‏2010

طالما بحث الإنسان عن مواطن الجمال في الكون، ليجد الطبيعة المحيطة به مليئة بأسرار الحسن والحب.. كذلك إميلشيل التي عاشت في أعالي الأطلس، شامخة تنتظر عين المشاهد لترى قدرة الفاطر في أرضه، فيقول "أنت أنت الله!".

* الموقع
تقع قرية إميلشيل بين جبال الأطلس الكبير، على الطريق الرابطة بين إقليم ورزازات والراشيدية عبر مضايق "تدغى" مرورا بأيت هاني، فهي تابعة إداريا لإقليم الراشيدية.

أما الطقس فبارد شتاء، معتدل صيفا "يوليوز/ تموز وغشت/ آب". وتعرف المنطقة تساقطات مهمة، حيث تكسو هذه الجبال أكوام من الثلوج، يبلغ ارتفاعها احيانا مترين، وهو الشيء الذي يساهم في إغناء الشبكة المائية الباطنية، وتتجلى بالأساس في العيون التي تنضح بها شعاب الجبال وفجاجها، بل وتتوفر كذلك على شبكة مهمة من الوديان كواد ملول وزيز، خصوصا في السهول الممتدة بين موقع ضريح الولي الصالح "سيدي أحمد المغني" وإميلشيل وأيت عمرو، فتبدو بذلك الطبيعة خضراء وبها سنابل القمح التي تنتظر أشعة الشمس للتحول إلى ذهب في معصم الأطلس الكبير، لأن موسم الحصاد غالبا ما يتأخر في هذه المناطق كنتيجة طبيعية لبرودة الطقس الذي لا يدع المجال الواسع أمام الفلاحين المقيمين ليحصدوا إنتاجهم السنوي، فلا يبرحوا حقولهم حتى يبدأ الخريف بأعاصيره التي تأتي على الأخضر واليابس.

أما تضاريس إميلشيل فيطغى عليها طابع الجبال الذي تنمو على أطرافها سهول رسوبية، وهو ما يجعل تربتها تأخذ لون الترس والحمري. كما أن سهول المنطقة خصبة انطلاقا من نسب المنتوجات المحصل عليها سنويا من القمح 1250 قنطارا والشعير 250 قنطارا ومن الذرة 150 قنطارا، وكذا مغروسات كالتفاح الذي تنشط عملية غرسه.

* الأصول التاريخية لموسم الخطوبة
قرية إميلشيل قرية جميلة بمائها وعدسها وبصلها وفومها، تبعد عن مدينة تنغير بـ128 كلم شمالا، هذه القرية الهادئة التي تحتضن موسم الخطوبة -أو الزواج الجماعي كما يحلو للبعض أن يسميه- الذي يعكس أسطورة ضربت بأطنابها في تاريخ الحضارة الأمازيغية وثقافتها.

تقول الأسطورة بأن البحيرتين الموجودتين بالقرية تشكلتا نتيجة دموع أذرفتها عيون عاشقين أبت الخلافات السائدة قديما بين قبيلتيهما، وكذا تقاليد كل قبيلة على حدة أن تجمعهما في قفص ذهبي واحد وتحت سقف بيت زوجي واحد أمن تسوده المحبة والاطمئنان كما وقع لقيس وليلى العامرية في قصص الثقافة العربية، ولكن قيود التقاليد لم تمنع العشق في قلبي العشيقين "وإ"، منع تكليل هذا الهيام بتاج الزواج، وهو ما دفعهما إلى البكاء ليل نهار، حتى تجمعت دموع كل واحد منهما في هاتين البحيرتين المذهلتين، والدالتين على نعم الطبيعة اليوم بهذا المكان الساحر.

فارتباط الأسطورة أو الخيال بالحقيقة تجعل عين الزائر متقلبة ذات اليمين وذات الشمال أمام مناظر إميلشيل الموغلة في الصحراء والسامقة إلى أعالي.

وتتقاطر على موسم الخطوبة هذا وفود كثيرة من مختلف الجنسيات، كما يستهوي العديد من سكان المغرب الذين يتابعون عن كثب طقوسه الاحتفالية كالباحثين الأنثروبولوجيين، فحتى الأسطورة -التي لا تخلو من أهمية في مختلف الدراسات- لا تخلو من أهمية في معرفة مستوى الوعي الإنساني للشعوب التي تنتجها، وكذا بعض أنماطها الفكرية والثقافية والحضارية والإثنية.

وإذا كانت البشرية -كما يقول الأستاذ الجليل فاروق محمد خورشيد في كتابه "أديب الأسطورة عند العرب"- لم تعرف أقدم ولا أعرق من الأسطورة لتحكي أحلامها وآمالها، وترسم دنياها المليئة بالتطلع والشادية إلى المعرفة، فإن ذاكرة قبائل "أيت حديدو" تحتفظ بأسطورة البحيرتين "إيسلي" و"تيسليت" أي العريس والعروسة، التي تدافع عن معطى أساسي هو عدم استطاعة الخطيبين الثورة على تقاليد قبيلتيهما رغم الحب الجنوني الذي جمع قلبيهما، أي أن التقاليد والعادات قديما كانت تشكل الهاجس والمحرك الأساس لسلوكات الأفراد داخل القبيلة.

ورغم كون الحياة الاجتماعية قد تطورت بانفتاحها على ثقافات أخرى، فإن حرية الأشخاص تتوقف عند عتبة سلطة المجتمع، بل تكشف الأسطورة انهزام جميع القرارات الفردية والزوجية أمام النتاج الجماعي الذي يفرضه النظام القبلي الطابع لحياة قبيلة أيت حديدو، أو بشكل عام القبائل الأمازيغية.

وتحمل أذهان الكثير ممن يسمعون عن هذا الموسم فكرة خاطئة، مفادها أن فتيات عازبات تعرضن أنفسهن للزواج في سوق كبضاعة تباع وتشترى، وهذه الفكرة هي التي جعلتني أشد الرحال إلى إميلشيل لأستطلع خبايا الأساطير.

أما عن التسمية، فموسم الخطوبة فوق هذا وذاك ملتقى شريف للفرسان الراغبين في الزواج وفق الأعراف المعهودة والشريعة الإسلامية، نظرا لاعتبارات المنطقة التي تحدثنا عنها؛ الطابع الجبلي للمنطقة وطبيعة السكان البدو الذين يعتمدون في حياتهم على الترحال بحثا عن الدفء والكلأ بالصحراء شتاء والمياه والمراعي في أعالي الجبال صيفا. وهو ما يدفع قبائل أيت حديدو لاتخاذ هذا المهرجان مناسبة لعقد القران إداريا لدى موثقي العدول، وهو ما يسهل عملية توثيق العقود كخدمة تقدمها الدولة للسكان.

أما الجذور التاريخية للاحتفال بهذا الموسم فتمتد إلى العصور الغابرة، فدافيد هارت بدوره في كتابه المشهور "دادا عطّا وأبناؤه الأربعة والأربعون" لم يشر إلى سنة بداية الاحتفال بالموسم نظرا لامتداد هذه التظاهرة في خيوط رقيقة تشدها إلى الماضي السحيق.

* دور الموسم الروحي والاقتصادي
في كل موسم كموسم الخطوبة يمتزج الديني "الروحي" بالدنيوي "المادي"، أما الأول فيتجلى في التبرك بفضل الولي الذي يوجد ضريحه على مسافة 18 كلم من إميلشيل، هذه البركة التي يجدد بها الولاء وتقدم القرابين بعد مضي سنة إنتاجية كاملة.

ونظرا لطابع القداسة الذي يكتسيه "الولي الصالح" في الموروث الثقافي الشعبي بالمغرب، يأتي الاحتفال بنهاية موسم الحصاد وجميع الأعمال الإنسانية الشاقة، ذلك أن زيارة الضريح تتم بتقديم القربان كهبة مادية، ثم يدعو المتقرب بالشفاء من المرض أو قضاء أية حاجة عسر قضاؤها، حيث يقوم رجلان أمينان على خدمة الضريح، أحدهما يجلس جانب رأس القبر والآخر جهة رجليه يدعوان للزوار والمتقربين لقضاء مآربهم من الله وببركة "سيدي أحمد المغني".

بينما يكمن الدور الاقتصادي للموسم في كونه سوقا سنوية للتبادل التجاري بين القبائل المجاورة لقبيلة أيت حديدو كقبائل: أيت مرغاد، أيت عطا، أيت إزد، إشقرن، إزيان، أيت عبدي.. وبهذه المناسبة يتم البيع والشراء على ما يسمى باللسان المحلي "تيرمت" أي بيع الرجل سلعته ولا يؤدي ثمنها في الحين، بل ينتظر حتى يحول عليها الحول أي في موسم قادم. أما المنتوجات المتداولة في السوق فهي: الزرابي، الأحصرة المنسوجة من سعف النخل، الحناء، الدواب والمواشي، وإن أصبح الموسم يعرف دخول السلع الاصطناعية، وبذلك يشكل أكبر سوق للماشية على صعيد المملكة.

* أيام التشريق بإميلشيل
إذا كانت أيام التشريق في الاصطلاح الديني تعني ثلاثة أيام بعد عيد الإضحى، فإن أيام التشريق في إميلشيل هي الأيام الثلاثة لموسم الزواج الجماعي، لكن يوم العيد –مجازا- لدى الساكنة هو اليوم قبل بداية المهرجان الذي يكرس فقط للتسوق والتزود بحاجيات الأسر على مدار السنة، وهو بمثابة إعلان عن برنامج الموسم ويتخلله التسوق والتجول والترويح عن النفس بكيل الهواء النقي في أعالي جبال الأطلس.

يعمل الإنسان فكره في هذه الدنيا فيرى هنا وهناك مناظر ولوحات فنية تسحر العين وتفتح آفاق الخيال وتفتق الأعالي كما شقت قبائل أيت حديدو الطريق في الماضي لتظل في ذاكرة الحضارات.

المصدر: العرب أون لاين

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على إميلشيل.. تراث «أيت حديدو» وذاكرتها0

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
الأخبار الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم
Most Popular Tags
  • ايت حديدو
  • ,
  • اميلشيل
  • ,
  • حفلات الزواج الجماعي في مواسم قرى الاطلس
  • ,
  • موسم إميلشيل
  • ,
  • إميلشيل
  • ,
  • حفلات الزواج الجماعي في مواسم قرى الأطلس
  • ,
  • تعريف موسم إميلشيل
  • ,
  • موسم اميلشيل
  • ,
  • قرية اميلشيل
  • ,
  • حفلاث.الزواج.الجماعي.في.مواسم.قرى.اطلس
  • ,
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager