جماليات مباني ناطحات السحاب

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › جماليات مباني ناطحات السحاب

صورة الخبر: جماليات مباني ناطحات السحاب
جماليات مباني ناطحات السحاب

الثلاثاء, ‏19 ‏يناير, ‏2010

تثير المباني المتعددة الطوابق المعروفة بـ "ناطحات السحاب" قدرا كبيرا من انتباه مشاهديها، انتباه ما انفك يقترن بالدهشة. ذلك لان مغزى تلك المباني تتجاوز محدودية بواعثها في ايجاد "مأوى"، بالمفهوم المعماري الواسع لتلك الكلمة، والذي ارتبطت تمظهراته بوعي مبكر لدى الانسان، بلزوم توفير احياز ملائمة تقيه تقلبات الظروف المناخية والطبيعية وتسعى وراء توفير اسباب الراحة في سكنه ومعيشه وعمله. انها في هذا المعنى تضيف لمفهوم "المأوى" شيئاً آخراً، شيئا جديدا، يستدل به على قدرة الانشغالات الفكرية وهي تتحول الى انجاز هندسي مرموق.
ظلت المباني العالية تحظى باهتمام عال من البنائيّن في مختلف العصور وفي كثير من الحضارات. فحضورها الاستثنائي بالمشهد البنائي يكسبها أهمية خاصة، ويمنحها امتيازاً بصرياً، نظرا لعلوها ووضوحها وسيطرتها على مفردات ذلك المشهد. بالاضافة الى ذلك، لعبت الابنية العالية دورا كبيرا في ترسيخ صورة بانوراما المدينة التى تقع فيها، فضلا على سهولة تحديد موقع مجمع المباني الذي يحتويها. على إن عمارة المباني العالية، او بالاحرى المباني المتعددة الطوابق، تدين الى نشوءها وشرعية حضورها في المشهد المديني الحديث، الى بزوغ عوامل عديدة ومتباينة في خصائصها، عوامل تقنية وهندسية وحتى... كارثية!؛ تصادف وجودها بشكل لافت في مدينة واحدة، لتعلن عن بدء عصر جديد عن ما يسمى عصر "ناطحات السحاب". ونحن بالطبع نعني بتلك المدينة عاصمة الوسط الامريكي الشمالي: شيكاغو.
ففي الربع الاخير من القرن التاسع عشر، عرفت جيدا تلك المدينة الامريكية البناء وفق منظومة ما يسمى بـ "الهيكل الحديدي" Steel Frame، وجربّت على نطاق واسع منذ منتصف ذلك القرن، استعمال "المصعد": مصعد المسافرين. وتصادف ان شبّ حريق هائل فيها سنة 1870، إستمر عدة أيام والتهم معظم مبانيها. بيد إن ذلك الحريق لم يمنع اهلها من التمسك بفكرة إعادة بناء مدينتهم في ذات الموقع. وبغية تسريع عمليات البناء والاعمار، والحدّ من ارتفاع سعر المتر المربع من الارض الذي ارتفعت قيمته شاقوليا، تحتم اللجوء الى توظيف منظومة الهيكل الحديدي مع استخدام المصاعد لبلوغ ارتفاعات قياسية في المباني المشيدة. بعبارة آخرى، تجمعت اشتراطات ضرورية بمقدورها ان تهيأ المشهد لظهور الابنية المتعددة الطوابق. وقد ساعد وجود مجموعة من المعماريين الاكفاء الذين تناهوا بسرعة في توظيف تلك العوامل لتأسيس نهج تصميمي جديد، اعتمد على فصاحة تبيان الوظيفة والانشاء واجهياً، وهذا النهج الذي عدّ طليعياً عُرف لاحقاً في ادبيات نظرية العمارة وتاريخها بـنهج "مدرسة شيكاغو" المعمارية. الذي باتت مقولته المجنحة "بان الشكل يتبع المضمون" بمثابة لازمة تصميمة هامة وواجبة الحضور في صياغة اشكال المباني الحديثة وخصوصا في معالجة عمارة مباني "ناطحات السحاب" التى بدأت نماذجها تظهر بقوة في سماء شيكاغو.
لكن مدينة شيكاغو، رغم انها عدت "معقل" ظهور مباني ناطحات السحاب، فان العالم عرف هذا النمط من المباني من مدينة امريكية آخرى، من نيويورك التى جعلت من ظاهرة ناطحات السحاب عنصرأ مميزأ للتخطيط الحضري، ذلك التخطيط الذي اظهر ملامحه بجلاء حيّ مانهاتن Manhattan النيويوركي، المركز المالي والاداري فيها. واقترنت صورة خط السماء Silhouette لمدينة نيويورك في ذهن كثر من الناس بحضور مباني ناطحات السحاب، والذي انتقل تخطيطها الى مدن امريكية عديدة. وحاول المعمار الفرنسي " لوكوربوزيه" (1887-1965) ان يستوحي نمط التصميم الحضري النيويوركي، ويجعل منه منطلقاً لرؤياه التخطيطية التى سعى الى اقتراحها لاعادة تخطيط مركز مدينة باريس في 1925، وهو مشروع جرئ اتسم على حلول عقلانية لمشاكل المدينة المعاصرة. وقد اقتصر مخططه بشكل لافت على استخدام ناطحات السحاب كمفردة إساسية لهذا التخطيط. ونعرف بان ذلك المشروع الذي دعاه المعمار بمشروع "فوازين" Voisin لم يكتب له التنفيذ. لكن ظهوره بمثل تلك الصيغة، كرس من أهمية مباني ناطحات السحاب في المشهد المعماري والتخطيطي على حدٍ سواء. نعرف ايضا، بان نيويورك اسهمت ايضا وبقوة في تكريس هذا الاتجاه في الخطاب المعماري، من خلال مركزها الذي اشتهرت به كموقع يجمع مجموعة مباني ناطحات السحاب وليس مكاناً مقتصراً على ناطحة منفردة، كما عدّ ارتفاع بعض مبانيها هو الاعلى في العالم. في على سبيل المثال، ظلت "امباير ستيت بيلدينغ" ذا (102) طابقاً وبارتفاعها "الاسطوري" الذي وصل الى نحو 407 متراً، ظلت منذ ظهورها السريع والمفاجئ (تم تنفيذ المبنى في ظرف سنة واحدة و45 يوما فقط!)، في عام 1931 وحتى الستينات متربعة على عرش اعلى مبنى في العالم.


1 Kuwait Towers 2
تأثرت لغة عمارة ناطحات السحاب بالمتغييرات التى شهدها مسار عمارة الحداثة. وعكست حلولها التصميمية خصائص مقاربات متنوعة حفلت بها ظاهرة تيارات تلك العمارة بمرجعياتها المختلفة. لكن مبنى " ليفير هاوس" (1952)، ومن بعده "سيغرام بيلدينغ" (1954-58)، وكلاهما في نيويورك، حددا لفترة طويلة "نموذج" Paradigm شكل ناطحات السحاب في الخطاب المعماري ومشهده: الكتلة الهندسية المنتظمة والواجهة المعلقة الزجاجية المجزأه بانتظام عبر الواح الومنيومية، والخالية من اي اثر لمفردة كلاسيكية. وقد ساهمت بساطة لغة عمارتها واختزالها، وكذلك منطقية الحل التصميمي المترع بنَفَس الحداثة، على انتشار هذا النموذج من المباني في اماكن عديدة ذات خصائص جغرافية واثنية متنوعة. والاهم في ذلك ان ظاهرة المباني العالية باتت عالمياً، معروفة ومطلوبة..وسهلة المنال.
عندما تم تنفيذ "ابراج الكويت" (المعمارية الدانمركية: مالينا بيون) في 1970-76، والذي وصل ارتفاع احد ابراجها الثلاثة الى 185 مترا، عدّ ذلك الامر بمثابة حدثا استثنائيا في عمارة المباني العالية في عموم الشرق الاوسط، اذ لم تشهد مباني البلدان العربية جميعا، وكذلك مباني تركيا او ايران المجاورتين، ارتفاعا يماثل ارتفاع "ابراج الكويت" في حينها. ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهربصورة لافتة ليس فقط المباني المرتفعة، وانما ايضاً المباني المتعددة الطوابق في البيئة المبنية الاقليمية. وشهدت مصر والسعودية وبلدان الخليج "هوساً حقيقياً" لهبة تصميم وتنفيذ ناطحات السحاب، والمخصصة لاستعمالات متنوعة كالاستعمال السكني والادراي والترفيهي وغير ذلك من الاستعمالات. وبات تشييد ناطحات السحاب في الارض العربية يحظى باهتمام عال من الوسط المعماري العالمي، نظرا للقيمة العالية الجمالية والهندسية التى تتمتع بها عمارة ناطحات السحاب في المنطقة العربية. ولعل حدث فوز "مبنى مركز التجارة العالمي البحريني" في المنامة/ مملكة البحرين بجائزة افضل ناطحة سحاب في عموم الشرق الاوسط وافريقيا لعام 2008، لهو تأكيد إضافي على أهمية مساهمة العمارة العربية وتحديدا في منطقة الخليج في منتج العمارة العالمية. ونرى في ذلك الفوزحدثا ثقافيا ومعماريا مرموقا، ما يجيز لنا التوقف بشئ من التفصيل عند عمارة هذا المبنى الفريد، الذي قيل عنه بانه ".. ربما اشجع مغامرة في عمارة المباني العالية خلال العقد الاخير منذ مبنى:كوميرزبانك" لنورمان فوستر في فرانكفورت بالمانيا. اذ يعتبر هذا التصميم كشهادة للتحديات التى نواجهها، وتنوع الخيارات التى يفتحها لنا الاستشاريون وارباب العمل الشجعان".

4 Aspire Tower Qatar
وجائزة افضل مبنى ناطحات سحاب تقدمها لجنة خاصة تدعى" مجلس المباني العالية والموئل الحضري" CTBUH، تأسست في عام 1969، ومقرها مدرسة العمارة بمعهد الينوي التكنولوجي (I.I.T.) في شيكاغو بامريكا. والمدينة، كما المدرسة، هما من ساهما، بجد وبمهنية في ظهور وتأصيل مفهوم المبنى العالي في الخطاب المعماري، اذ اشتهرت مدرسة العمارة في شيكاغو كونها حاضنة ومبتدعه أساليب جديدة في تصميم وانشاء ناطحات السحاب، كما فيها درّس وعمل لفترة طويلة المعمار العالمي " لودفيغ ميس فان دير روّ" (1886-1969)، مبدع الاشكال الحداثية للمبنى المتعدد الطوابق منذ العشرينات، ومصمم "سيغرام بيلدينغ" في نيويورك، ناطحة السحاب المشهورة التى ورد ذكرها في اعلاه، بالاضافة الى احتضان هذه المدرسة للمهندس الانشائي " فضل الرحمن خان" (1929-1982) الشخصية الهندسية العالمية المرموقة في مجال تراكيب مباني ناطحات السحاب.
يتم إختيار المبنى الفائز وفق معايير خاصة، ابرزها ان الجائزة تميز في المبنى المختار، الجهد الخاص والمتفرد في مجال تطور الابنية العالية والبيئة الحضرية، والتى يمكن بها احراز مستوى من الاستدامةSustainment هو الاعلى والاوسع. كما ان المشروع الفائز يتعين ان يعرض الوسائل و/أو الابداعات التى اضافها الى الممارسة التصميمية المهنية وان يعزز من قيمة المدن ويجّمل حياة ساكينيها. جدير بالاشارة ان ثلاثة مباني عالية في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا وصلت الى المرحلة النهائية، والتى عندها تم اختيار مبنى "مركز التجارة الدولي البحريني" في المنامة كافضل مبني. والمبنيان الآخران هما مبنى " برج اسباير <الطموح> " (2007)، في الدوحة/ قطر، وبارتفاع 300 مترا، المعمار: هادي سمعان معماريون؛ والمبنى الآخر هو " بيرل بريز" <النسيم اللؤلؤي> (2008) في امهلانغا، ديربان/ جنوب افريقيا، وبارتفاع 118 مترا، المعمار: "كوبر معماريون" وغيرهم.

يعتبر مبنى "مركز التجاري الدولي البحريني" في المنامة الذي اكتمل بناءه في نيسان 2008، المبنى الاعلى في مملكة البحرين، اذ يصل ارتفاعه الى 240 مترا، بمساحة اجمالية تقدر بنحو 120 الف متراً مربعاً. وهو مخصص للاستعمالات الادارية والتجارية مع السكن. وقد صممه مكتب "اتكينس ومشاركوه" Atkins & Partners( وبالمناسبة فان مصمم المبنى البحريني هو ذاته الذي صمم "برج العرب" في دبي بالامارات <1994-1999>، الحائز على شهرة عالمية واسعة). يتألف مجمع المركز من برجين تؤمين يوحيان بشكلهما المميزّ الى شكل الشراع. وينهض البرجان اللذان يتكونا من 50 طابق، على قاعدة بارتفاع ثلاثة طوابق، تحتوي على مركز تسوق جديد وسلسلة من المطاعم ومركز اعمال بالاضافة الى موقف للسيارات في القبو. وثمة منصة للرؤية تقع في الطابق 42، تتيح لزوار المبنى مشاهدة بانورامية للعاصمة البحرانية. لكن الاضافة المبتكرة في عمارة المجمع هو ادخال طواحين هوائية "توربينات" لتوليد الطاقة الكهربائية في صميم التكوين المعماري فيه. ويقدر قطر هذه الطواحين بـ 29 مترا وعددها في المجمع ثلاثة، تستند كل منها على محور/ جسر بطول 31.5 مترا يمتد بين البرجين. وهذه الجسور مثبتة في مستوى الطوابق 17، و27، و37. على التوالي. وتولد الطواحين طاقة كهربائية بقوة الريح، تغطي نحو 15% من متطلبات الطاقة التى يحتاجها المجمع.


2 WTC.
يؤكد المعمار، بان اختيار شكل مبناه يشي باستدعاءات لاشكال الطواحين الهوائية المحلية التى كانت معروفة في المنطقة. لكن الباعث الاساس لصيغة تشكيل نحتية المبنى يرجع، ايضاً، الى الرغبة في الحصول على امثل "شكل" لتوجيه الريح باتجاه "التوربينات" بغية الحصول على كفاءة تشغيلية عالية. ولهذا فان "فورم" سطوح المبنى وكتلته المستدقة نحو الاعلى، وتوجيه المجمع باتجاه هبوب الريح السائدة، كلها كانت امور ضرورية للوصول الى "الهدف" الذي وضعه المصممون لانفسهم، وهو التركيز على اهمية القيمة المستدامة، النابعة عن مثل هذه التكاملية. اذ اظهرت التجارب المخبرية بان الاشكال المستدقة، (بالصيغة التى اتت بها اشكال المركز)، بمقدورها ان ان تسرّع بحوالي 30 % من قوة جريان الريح باتجاة التوربينات.
يبدو قرار ادخال "طواحين الهواء" (المعلقة في مواقعها العالية في مركز التجارة البحريني)، في صميم الحل التكويني للمبنى، وكأنه قرار يؤسس للعمارة المستقبلية في اهتمامتها بموضوع الاستدامة. فعمارة المبنى تجسد صيغة اتحاد غير متوقع بين فكرة استخدام وسيلة قديمة جدا في توليد الطاقة، مع حداثة التعبير عنها بوسائل تكنولوجية متطورة وفكر هندسي رفيع. لقد وجدت هيئة التحكيم في عمارة المبنى مشروعا "لحل دراماتيكي في بيئة مبنية ديناميكية حافلة بالتغيير المستمر والسريع". ان اشكال المبنى الرشيقة والواضحة، التى تنتمي بمرجعيتها "الشكلية" الى نماذج مستقاة من خصوصية المكان المحلي وثقافته البحرية، والمصاغة بجهد تصميمي مميّز، تمثل الان "ايقونة" بصرية لمدينة المنامة، مثلما يؤشر حضورها في نسيج البيئة المبنية عن مقاربة تسعى وراء تبني مصادر جديدة للطاقة البديلة، وجعل تلك المقاربة لتكون ممارسة معمارية جديرة بالانتباه والمحاكاة. لقد أكد مشروع مجمع مركز التجارة الدولي البحريني بصيغة جريئة عن أهمية فلسفة "مفهوم الاستدامة" معمارياً؛ وابان في الوقت نفسه عن قدرة المصممين واجتهادهم في التعاطي مع مقومات تلك الفلسفة، وجعلها جزءا لا يتجزأ من الحل المعماري.

المصدر: elaph

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على جماليات مباني ناطحات السحاب0

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
Most Popular Tags
  • فكرة مباني ميس فان دير روه
  • ,
  • العمارة بين الشكل والمضمون
  • ,
  • ناطحات السحاب
  • ,
  • الظروف الثقافية في حياة ميس فان در روه
  • ,
  • منزل تراثي معمارية في الاسكندرية
  • ,
  • الافكار التخطيطية لودفيج ميس فان دير روه
  • ,
  • اغرب اشكال هندسية لناطحات السحاب
  • ,
  • مبانى معمارية مشهورة مصرية
  • ,
  • مبانى ادارية مشهورة
  • ,
  • مباني ليكور بوزيه
  • ,
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager