خير الدين باشا.. مصلح لم يتحدث عن نظريات

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › خير الدين باشا.. مصلح لم يتحدث عن نظريات

صورة الخبر: خير الدين باشا.. مصلح لم يتحدث عن نظريات
خير الدين باشا.. مصلح لم يتحدث عن نظريات

السبت, ‏03 ‏أكتوبر, ‏2009

يمكن لتونس أن تفخر بالعديد من أعلامها وتتباهى بهم في كل العصور، إذ ثبت أن لهذه الرقعة من الأرض عمقا تاريخيا لا ينكره إلا جاحد، ونخبة من المفكرين والمبدعين استطاعوا بما قدموه أن يظلوا عناوين بارزة ليس بوسع أحد أن يغفل عنهم أو يتجاهلهم، ومع أنهم ساهموا بشكل كبير في صنع أكثر من ثلاثة آلاف عام من تاريخ هذه البلاد، فقد وصل صداهم إلى كل الدنيا وخصوصا في المنطقة العربية والمتوسطية، وكانوا فعلا نماذج لم تتكرر وبقوا أعلاما كل في مجاله لا ينازعه فيه أحد.

وبينما كان الوطن العربي خلال عصر النهضة يبحث عن طريق يسلكه خارج أسوار التخلف، ساهمت تونس من موقعها في هذا الجهد وقدمت نخبة من الأعلام كان واسطة العقد بينهم هو خير الدين باشا أو التونسي كما هو شائع، وما قدمه في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، مازال شاهدا على ذلك العصر، خصوصا وأن ذلك العهد، القرن التاسع عشر، مازال في أمس الحاجة إلى الدراسة المعمّقة والإنصاف، فالكثير من مفكري ذلك العصر لم ينل بعد قسطه من الضوء، على عكس آخرين هم أقل شأنا، ولكن نفخت في صورهم الدعايات وجعلتهم من المراجع العظام.

عندما نراجع عصر النهضة نجد موسوعة تضم نخبة تضم عديد الأسماء منهم رفاعة رافع الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، محمد رشيد رضا، قاسم أمين، أديب إسحق، جرجي زيدان، علي مبارك، شكيب أرسلان، شبلي الشميل، فرح أنطون، بطرس البستاني، طه حسين، عباس محمود العقاد، وغيرهم.

وضمن القائمة، وفي مرتبة متقدمة، يوجد اسم خير الدين التونسي، فهو واحد ممن كان له دور بارز في حركة النهضة، لكنه لم يحظ بالدرس الكافي، وفي غير بلاده تونس، يكاد يكون في بقية البلدان علما مغمورا، لا يعرف عنه أحد غير أصحاب الاختصاص في مجال الفكر الحضاري والإصلاحي، مع أنه مثّل نمطا فريدا عندما ألح بضرورة المواجهة العربية الإسلامية للمدنية الأوروبية، لا الانكفاء على الذات رهن التخلف والابتعاد عن الركب الحضاري، والمواجهة التي قصدها لم تكن إعلان الحرب، وإنما التحاور مع مركز الحضارة الحديثة واقتباس ما يفيد منها.

وعندما طرح خير الدين رؤيته، لم ينطلق من فراغ، ولم يتحدث عن نظريات، بل انطلق من معايشة حقيقية لواقع كشف ضعفه، بسبب من خبرته السياسية، وتنقله بين كثير من المناصب الكبرى، ومعرفته بالغرب، وإطلاعه علي سر تقدمه، نتيجة سفره وإقامته فيه.

خير الدين التونسي، قدّم تصوراته الواضحة، مؤكداً أهمية الربط بين التقدم في المجال العمراني والحرية الفردية والعدل بين الناس، غير متناس ما للتنظيمات الإدارية من دور فاعل في بناء المجتمعات، وطالب بذلك، خوفا على العرب والمسلمين من الغرق في لجج الغرب، ولأنه تمعن في أسباب تقدم الأمم، واستخلص الدروس من تاريخ دول أوروبا، وقارنه بتاريخ الإسلام، خاصة، عندما لاحظ أن التقدم العلمي، قصّر المسافة بين الدول، وأصبحت الأفكار تنتقل بيسر وسهولة إلى شعوب العالم أجمع، وبناء على ذلك جمع كتابه "أقوم المسالك"، وعبارة أقوم تعني من ضمن ما تعني أقصر الطرق وأسهلها.

وخلال مسيرته السياسة والفكرية، ظلت النهضة الشغل الشاغل لخير الدين، حتى أنه اشتهر بالعديد من الألقاب أبرزها لقب "أبو النهضة" التونسية الحديثة، وقد ساعدته تقلبات حياته على صنع تجربة فريدة، فالرجل الذي بدأ حياته مملوكاً في أحد بيوت الأشراف في الآستانة ضحك له القدر، فانتقل به إلى كنف الباي أحمد التونسي، وتقلب مناصب عدة، من وزير إلى رئيس للوزراء إلى صدر أعظم، وكان في سائر هذه المناصب التي تبوأها المقاتل الشرس في محاربة الفساد، وفي تحديث البنى والمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً في التمهيد لذلك اللقاء الحضاري بين مدينة الغرب ومدينة الإسلام.

وقد كان خير الدين يصدر في ذلك كله عن نظرة متطورة إلى الواقع الذي كانت ترزح تحته المجتمعات العربية – الإسلامية عامة، والمجتمع التونسي بوجه خاص.
لقد شاهد الرجل بأم عينه مدى التطور الذي حققه الغرب بعد زيارات مختلفة إلى عواصمه، ولعل الشيء الأبرز الذي لفت نظره في المدينة الحديثة هو نزعتها الديموقراطية. ومن هنا كان دأبه أن تتمثل تونس بالبلدان التي زارها واطّلع على أحوالها، وخاصة فرنسا التي كانت في ذلك الحين قد بلغت شوطاً بعيداً في هذا المجال.

ويؤكد خير الدين أن تقدم أوروبا إنما جاء بسبب العلم والعدل. وعبارته في ذلك "وانما بلغوا تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثروة واستخراج كنوز الارض بعلم الزراعة والتجارة.

وملاك ذلك كله الامن والعدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم. وقد جرت عادة الله في بلاده ان العدل وحسن التدبير والترتيب المحفوظة من اسباب نمو الاموال والانفس والثمرات، وبضدها يقع النقص في جميع ما ذكره".

ومما يجدر ذكره أن خير الدين كان وراء إنشاء أول مجلس شورى منتخب، حتى لقب أيضا بـ "أبو البرلمان"، وذلك اعتباراً منه أن لا خلاص لتونس مما عليه من تخلف وانحطاط بغير السبيل الديموقراطي، وبغير التحديث كسبيل إلى النهضة والتقدم.

وقد تميز خير الدين التونسي عن غيره من رجالات النهضة في القرن التاسع عشر في أنه جمع بين شخصية المفكر ورجل السياسة، الأمر الذي جعله صاحب تجربة فريدة بين مختلف التجارب التي خاضها غيره من رجال الإصلاح في البقعة العربية والإسلامية، والمواقع السياسية التي تقلب فيها مكنته من أن يحقق بعضاً من أفكاره الإصلاحية، كما مبدأ حياته ومنتهاها كان رحلة خالدة بالرغم مما كان فيها من إنجازات جليلة حينا، وخيبات أحيانا أخرى.

لقد ولد خير الدين التونسي سنة 1820 في قرية بجبال القوقاز وكل ما يعرفه عن نفسه أنه عبد مملوك ينتمي إلى قبيلة "أباظه " ببلاد الشركس بالجنوب الشرقي من جبال القوقاز وأن والده توفي في إحدى المعارك العثمانية ضد روسيا، فأسر وهو طفل في غارة، ثم بيع في سوق العبيد بإسطنبول، فتربى في بيت نقيب الأشراف تحسين بك، وانتهى به المطاف إلى قصر باي تونس عندما اشتراه رجال الباي من سيده، وجيء بخير الدين إلى تونس وهو في السابعة عشرة من عمره سنة 1837، وأصبح مملوكا لأحمد باشا باي الذي قربه وحرص على تربيته وتعليمه، ولحدة ذهنه أقبل على تحصيل الفنون العسكرية والسياسية والتاريخ.

عين مشرفاً على مكتب العلوم الحربية، وفيه اتضحت خصاله الحربية جلية وفاز بالمراتب العسكرية عن جدارة فولاه أحمد باي أميرا للواء الخيالة سنة 1849، وفي 1854 أرسله أحمد باشا باي إلى فرنسا لبيع مجوهرات لصرف ثمنها لإعانة تركيا في حربها ضد روسيا.

في سنة 1857 عين وزير للبحر فقام بالعديد من الإصلاحات من أهمها تحسين ميناء حلق الوادي وتنظيم إدارة الوزارة وإصلاح لباس الجيش البحري وضبط اتفاقيات وقوانين مع الأجانب لحفظ الأراضي التونسية.

كما قام بعدة إصلاحات، حيث قاوم الحكم الاستبدادي، وعمل على إقامة العدل، وساهم في وضع قوانين مجلس الشورى الذي أصبح رئيسا له سنة1861.

وأمام ازدياد فساد الوضع السياسي في البلاد نتيجة سوء تصرف المسؤولين وسرقاتهم قدم خير الدين استقالته من جميع وظائفه سنة 1862، واستغرقت فترة انقطاعه سبع سنوات، من سنة 1862 إلى سنة 1869، عندما انعزل خلالها في بستانه يتأمل ويكتب.

خلاصة تجربة خير الدين الفكرية والسياسية لخصها في كتابه المذكور "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، وقد ترجم الكتاب بوقت قصير إلى الفرنسية بعيد صدوره بوقت قصير، وهو الكتاب الذي وصفه المستشرق الألماني والرحالة المعروف هاينريش فون مالتزان أثناء زيارة لتونس قائلاً إنه "أهمّ ما ألفّ في الشرق في عصرنا هذا"، وقد وصف خيرَ الدين بقوله: "أما خيرالدين فقد انتهج منهجاً مغايراً تماماً.

إذ أنه تفادى اتخاذ وجهة النظر الأوروبية وتبنى منذ البداية التصوّر الإسلامي. ومن هذا المنظور الذي لا أمل بدونه أن يلقى المشروع لدى أبناء قومه المتمسكين بعقيدتهم أدنى صدى، وبالرجوع أولا إلى الماضي، تفحص خيرالدين المستوى الحضاري الرفيع والمكانة المرموقة اللذين كانت بلاد الإسلام عليهما يوم كانت أوروبا لا تزال غارقة في ظلمات القرون الوسطى".

"وقد عزا خيرالدين الانحطاط الذي آلت إليه الحضارة الإسلامية خصوصاً إلى نظام الحكم المطلق الذي توخته الدول الإسلامية على الإجمال منذ القرون الوسطى معتبراً هذا النظام غريباً عن الإسلام في أصوله... إثر هذا يعكف المؤلف على تحليل الأسباب التي انجرت عنها في أوروبا نتائج مغايرة تماما وجعلت هذه القارة، وهي التي كانت تتخبط في الظلمات حين كانت حضارة الشرق في أوج الازدهار، تصبح اليوم مجموعة من الدول الأكثر تحضراً، في حين نرى الممالك الإسلامية تعاني الانحطاط".

على إثر وفاة علي بن غذاهم سنة 1864 كلفه محمد الصادق باي سنة 1869 برئاسة لجنة الكومسيون المالي، ولنجاحه في هذه المهمة كلفه محمد الصادق باي سنة1871 بمهمة توثيق الصلة بين تونس والدولة العثمانية، ثم عينه وزيرا أكبر في أكتوبر 1873.

لكن، أمام اشتداد الوشايات استقال خير الدين باشا من جميع وظائفه، ثم هاجر إلى تركيا في آب- أغسطس سنة 1878 بأمر من حاكم البلاد محمد الصادق باي وذلك إرضاء للقناصل المعتمدين لديه وهناك ألح عليه السلطان التركي عبد الحميد أن يتولى وزارة العدل لكنه رفض، ثم عاد وقبل الوزارة الكبرى وتوفي بتركيا سنة 1889 "أو في بداية سنة 1890"، وفي مارس 1968 استقبلت تونس المستقلة رفات خير الدين مستعيدة بذلك أحد أبرز أعلامها، وخصته بمشاعر كبيرة من الإجلال، لأنه فعلا كان رمزا خالدا وواضعا لأسس تونس الحديثة.

ما قاله خير الدين قبل أكثر 142 عاما، تاريخ صدور كتابه، يردده الآن القادة السياسيون في شتى بلاد العرب، وهو الحديث عن ضرورة الاصلاح، ولكن شريطة أن يكون نابعا من الداخل وليس مفروضا بلغة التهديد والقوة، وما حذر منه خير الدين يحصل أيضا إلى الآن، وكأن عجلة التاريخ لم تتحرك دورة واحدة، فالغرب مازال يتغول والعرب والمسلمون، جاثمون على نفس الهيئة، وما بدولوا تبديلا.

والأفكار التي طرحها خير الدين مازالت طازجة ومتماسكة إلى حد بعيد، ولم تكن مقتصرة على تونس فحسب، بل تمتد إلى كل الأمة العربية والإسلامية من أجل الرقي بهاوتسهيل دخولها في العالم "الحديث".

ويشير أحد الدارسين، إلى إن مسعى خير الدين "ليس سوى المواءمة بين "القديم"، الشرعي، السلفي، وبين "الحديث" المُعاش المرئي عياناً. إنه مصالحة بين ما لا يمكن إلا قليلاً مصالحته، مكتوبة على يد رجل صادق ودارس لإرثه الإسلامي، وعارف بالتطور التاريخي الجذري للغرب، خير الدين التونسي يمتلك - من دون شك - مشروعا ثقافيا "لحداثة ما" تظل محكومة بحدود الانتقاء والمصالحة الذكية والتلفيق الضروري للخروج من المأزق".

لقد قدم خير الدين التونسي رسالة تحديث ستظل قائمة مادام الشرق يتخلف ويغرق في الأزمات ولا يستطيع التحرر، ومثلما يعز الغرب نهضته وتقدمه إلى نخبه من مفكريه ومنوريه وعمل بما أوصوا حتى بلغوا هذا المبلغ، تركنا نحن في الشرق وصايا مفكرينا، وعوض دراستهم والنهل منهم، نستغرق الوقت في البحث عن "أنبياء جدد"، وهو ما لن يحصل أبدا، فالبناء يبدأ من أساس وينتهي إلى سقف، لكننا نحن أهملنا الأسس ونستظل بسقف لن يستطيع الصمود طويلا عندما تهب عواصف من الحضارات الأخرى.

المصدر: العرب أونلاين-فاضل عبد العظيم

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على خير الدين باشا.. مصلح لم يتحدث عن نظريات  "1 تعليق/تعليقات"

nada10/4/2012

very nice :)

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
Most Popular Tags
  • خير الدين باشا
  • ,
  • خير الدين باشا و افكاره الاصلاحية
  • ,
  • خير الدين باشا وأفكاره الإصلاحية
  • ,
  • خير الدين باشا واصلاحاته
  • ,
  • خيرالدين باشا
  • ,
  • اصلاحات خير الدين باشا
  • ,
  • إصلاحات خير الدين باشا
  • ,
  • خير الدين باشا و أفكاره الاصلاحية
  • ,
  • خير الدين باشا و أفكاره الإصلاحية
  • ,
  • خير الدين التونسي
  • ,
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager