اخبار عرب نت فايف
سوق السيارات المستعملة
مساحة اعلانية
ثورة 25 يناير أخبار العالم اخبار الرياضة اخبار المال والاقتصاد اخبار المسلمين الصحة والجمال الأسرة والطفل علم وتقنية اخبار الفن والثقافة اخبار البيئة مقالات

في تطوّر الرواية العربية

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › في تطوّر الرواية العربية

السبت, ‏26 ‏سبتمبر, ‏2009

صورة الخبر: 'خرائط الروح\': أطول رواية عربية تحكي ملحمة مقاومة الاحتلال
'خرائط الروح\': أطول رواية عربية تحكي ملحمة مقاومة الاحتلال

ما فتئت الرواية العربية تشهد تطورا كبيرا منذ مستهل القرن العشرين. بيد أنها قد حققت قفزتها الكبرى الثانية في طور العبور بين القرنين العشرين والحادي والعشرين، فتجاوزت حضور المدونة الشعرية والمجال المسرحي، ومختلف وجوه التواصل بين الراوي والجماهير حتى في المناطق التي حافظت على ذلك.. مثل ساحة "جامع الفنا" في المغرب الأقصى.

فتمكنت الرواية بذلك من بلورة وعي جماهيري جديد.. يدعم الوعي التراثي القديم ويضيف إليه. واقتضت لفتة كبرى من قبل "الوعي النقدي" المصاحب لها والحاف بها.

وكانت نصوص البشير خريّف قد أغوتني منذ عهد الصبا، بل امتزجت عندي ببعض أحداث حياتي.. فتكرر ما استحدثته من أحاسيس شتى بعضها موصول برهبة الموت، وبعضها لصيق بالاقبال على الدنيا. فكان السؤال الأساسي بالنسبة إلي: ترى كيف يحسن هذا الكاتب لم شتات المتباعدات على صعيد واحد يجعل منها مشهدا فريدا قادرا على التعبير عن الوجود بخيره وشره وتناقضه وتدافع أجزائه وعدم انسجامه! هذا هو الأصل في اعتقادي: كيف تشعر زكية وعزوز في "ليلة الوطية" بالفصل والوصل فيقران بنهاية حبهما، دون التضحية بقبلة أخيرة يختلسانها فوق السطوح؟ كيف يمر المكي والعطراء في "الدقلة في عراجينها" بسنوات الهجر المزودوج دون أن يصابا بالجنون؟ كيف يتشبث "خليفة الأقرع" ببثور القرع ويدعو المؤدب المغربي إلى عدم إزالتها إزالة تامة؟ وكيف يجد "برق الليل" في طريق الصدفة، وتمسكه بالحرية؟

هكذا نلاحظ ههنا تشبثا بالبساطة، وتعلقا بالكلام الذي يجري على ألسنة الناس في السوق والبيت والحقل، ونسجل موقفين صريحين شاعا بعد البشير خريّف بسبب من انتشار اللسانيات وعلوم السرد.

وجدير بالإشارة أن ننعطف على مداخلة له تناقش الموضوع ذاته، واردة ضمن مفهوم "ثنائية اللغة وثنائية المعجم"، يثير فيها خريّف رؤاه بأسلوب منظم قريب من حديث المتخصصين، بعيد عن انطباعات الأدباء، فيذكر، على وجه التحديد، عدم استساغة القراء سنة 1937 رواية كتبها "بنفس الأسلوب الذي عرفه الجميع مستعملا فيها العربية الفصحى للسرد والدارجة للحوار". فكان ذلك مبعث حذر عند القراء فجنح الكاتب إلى "الصمت والتوقف عن الكتابة، إذ كان ذلك بمثابة الصدمة. فالنقاد قد انهالوا عليه باللائمة كما لو كان قد ارتكب جريمة".

في هذه المداخلة يصرح البشير خريّف بأن اللسانيين ودارسي اللغة هم الذين بسطوا الموضوع من جديد" وهي فكرة كنا قد استنتجناها آنفا حين تعرضنا إلى المقال السابق.

فنقع ههنا على ثنائية "السليقة وعفو الخاطر" بالنسبة إلى أبناء اللغة الذين يستعملونها بصورة أصيلة وعلى "التعقيد والتكلف" بالنسبة إلى الدخلاء. لهذا يلاحظ خريف أن الروائي مثل "الخطيب" ينبغي أن يستعمل "اللغة الحية" التي يستعملها الناس في مجالات حياتهم. فالخطيب في حاجة إلى التبليغ. في هذا المستوى أيضا نكتشف العلل اللسانية من جديد فنوقن من اطلاع خريف على أكثرها شيوعا، أو قل على أكثرها مساسا بمجال البرهنة عنده، فهو يعلن صراحة: ".. فعلم اللسانيات لا دخل له في الأدب وكذلك السياسة لا صلة لها بالأدب، فهي كائنات حية ثلاثة مستقلة، وعندما يقع الخلط بين مجالاتها فإن الأشياء تتداخل ضمن هذا السياق يقرر البشير خريّف أن هذه النزعة "نزعة قومية" أي أن دوافعها سياسية غير أدبية، أو غير فنية، فهي عاطفية زائلة تقع خارج مجال الابداع الروائي، والأجدر في هذا المجال أن نستعمل للتعبير عن الثنائية: "لغة الكتابة" و"لغة الخطاب".. لا "اللغة الفصحى" و"اللغة الدارجة".

ونجده في باب تعامله مع الخلفيات التاريخية في رواية "برق الليل" يتوق الدقة.

يقول المرحوم الدكتور الطاهر الخميري".. لعل الخيال في قصة "برق الليل" يكون أقرب إلى الحقيقة من "أخبار" ابن أبي دينار" نستنتج من هذا أن البشير خريّف يسعى إلى التعامل مع المتناقضات فهو يتوق إلى تذويب ما يعسر تذويبه أي إلى الجمع بين "الحقيقة التاريخية" و"الحقيقة الروائية" في بوتقة واحدة. والواقع أننا نشهد مداورة طريفة بين هاتين الحقيقتين، فتستحوذ الرواية على التاريخ المحض وتجعل منه تاريخها، حتى لكأنها من النواسخ في اللغة تدخل على المبتدأ فتجعل منه اسمها، وعلى الخبر فتجعل منه خبرها.

وهو يرى البشير خريّف في هذا الباب أن "القصة حاجة بشرية في "أي عند" جميع الناس". ويلفت الانتباه إلى وجوب التأني في الانبهار أمام جديد الرواية العربية.

ومن الافت حقا أن نتأنى لدى حوار مع البشير خريّف ذكر فيه إجابة عن سؤال: "من هو البشير خريّف"؟ فقال مباشرة: "البشير خريّف هو ابن علي الدوعاجي ابن محمد الرزقي".

ولاشك أن متأمل أدب البشير خريّف يقع على تفاوت واضح في مدى التزامه بهذه الخيارات.

وقد أوردنا رأيه في اعتبارها لم تحدث عنده على سبيل الطفرة إنما هو سبيل التسلسل التاريخي الذي يجعلنا إزاء سلالة تنطلق من الرزقي إلى الدعاجي، وصولا إلى خريف.

وغني عن الاشارة أن هؤلاء جميعا قد أخذوا – إن كثيرا أو قليلا – بما يلمح إليه خريف في "وصاياه".

فإذا أمعنا النظر في أدب الرجل انتبهنا إلى أن هذه "الوصايا" ذات أثر واضح، رغم التفاوت بين الروايات فـ "الدقلة في عراجينها" مثلا محافظة تماما على الفصحى في السرد، متخففة منه أحيانا في الحوار، أو قل إنها أجنح فيه إلى اللغة الوسطى. أما "برق الليل" فممعنة فعلا في تصوير حركية المواقف الشعبية.. لكن غالبية حواراتها واردة في عربية عادية. بل قد لا تخلو من تعابير قديمة لمن تعد ذات استعمال الآن، أو لعل استعمالها اليوم نادر قليل.

لهذا فإننا نرتد للإقرار بأن "ليلة الوطية" على قصرها تبقى العمل الأكثر تمثيلا للبشير خريف في خياراته الأسلوبية والسردية والغرضية. فهي عمل خفيف رائق يقع في صفحات ثلاث، جملته دارجة قريبة من عفو الكلام الشفوي غير المدون، ومعجمه وسط بين الفصيح والعامي، بل و"المعجم النسوي" لنساء حاضرة تونس في النصف الأول من القرن العشرين:

-أهلا بروحي كيفاش نجمت تجي والدار هكة بالخلق؟

- خلي واسكت، قلتلهم راسي يوجع فية باش نمشي نرقد وحتى حد ما يزوزلي.

-إيجا نمشيو نقعدو على الحريف كي عادتنا.

-إيه مسكين ها الحريف ما عادش يشوفنا بعد الليلة.

أسلوب بسيط رائق منسجم مع مقتضى الحال، بل لعله اليوم أشد قربا من "السيناريو" الذي يعده بعض المتخصصين لأفلام السينما. وهو ما يدفعنا على أية حال إلى الإقرار بأن "ليلة الوطية" تلبث أكثر تمثيلا لمشروع البشير خريّف، وأشد انسجاما مع وصاياه، من أي عمل آخر. أفلا يدفعنا ما تقدم إلى الإقرار بأن الكاتب لا يختار أسلوبه اختيارا واعيا بحيثياته وخصائصه، إنما قصاراه أن يأنس إلى بعض السمات الجاهزة الحاضرة عنده فيعلن عن تفضيله لها ويقبل على الاعلاء من شأنها. وهي في الغالب الأعم وليدة ثقافية "المدونة والرصينة والشفوية"، وخيارات مطالعاته، ونتاج السائد في عصره من ثقافة محلية أو عالمية.

أما في خصوص أدب أحمد ابراهيم الفقيه فلقد تدرج بي الاطلاع عليه من مجرد النظر إلى الاعجاب، ولاشك أن محب الرواية، المتعلق بالأسلوب الشعري، ينبغي أن ينساق خلف هذه الريشة المداورة اللعوب المتمسكة بالتفنن في معالجة العربية من خلال استمارات الشعراء ومجازاتهم، والرغبة في الغوص في السرد الروائي من خلال اطلاع صاحبها الواسع على الفتوح الغربية المستندة إلى فن القص. هكذا تولد "الروايات النهر" عند أحمد ابراهيم الفقيه، فهلا صادرنا منذ البداية على أنها على صلة ما بأسلوب القص القديم، وشكل القص القديم، ومعاني القص القديم! فلقد تتلمذ صاحبنا الفقيه على جده محب العربية ومعلم القرآن، قبل أن يتفقه في لغات الأوروبيين، وتحصلت لديه ملكة قوية راسخة في معالجة الأسلوب، نضيف إليها قدرة نادرة على التصرف في أشكال القصة تقديما وتأخيرا، وإضاءة وتعتيما.

والحق أن الطول اللافت في هذا العمل الذي تخطى ثلاثة آلاف صفحة، قد أغواني بالكثير من التمعن. ويجب أن نتريث لدى الطول والتفرع وانبثاق الحكايات/ القصص/ الروايات من بعضها.

"فالتاريخ الليبي" مجرد تحديد للموضوع العام، أما التفرعات الداخلية
في "ألف ليلة وليلة" انحراف نحو هذا المسار، حتى إنه يستأثر بكامل الكتاب، فنكون إزاء حكايات فرعية تتشعب انطلاقا من شعاب أقل تفرعا، حيث تنتسب الفروع الأولى بدورها إلى فروع جانبية، وتحيل على الأصل الاطاري المشترك. فإذا سلمنا بأن "حكاية الملكين الأخوين" اللذين خانتاهما زوجتاهما تتصل بعالم ألف ليلة وليلة، فإن التاريخ الليبي بكامله يعد بؤرة لانبجاس هذه الرواية النهر التي نخوض في شأنها اليوم، يعلن الأستاذ ياسين رفاعية في مفتتح مقاله عن "خرائط الروح".

وتتجلى مهارةالكاتب في صناعة الحبكة الروائية.. وفي أحداث تتنامى وتتصاعد، تتقاطع وتتباعد تفترق وتتواصل، دون أن يلحق أي خلل بانسجامها وتآلفها وارتباطها.. بكل ما تتيحه عناصر السرد واستراتيجيات القص من امكانات".

إننا إزاء عمل تكشف تدقيقاته تاريخ هذا البلد الشقيق في صراعه مع المستعمر، وفي صراعاته الاجتماعية الداخلية، وفي بحثه عز المستقبل الممكن، هكذا تكون صفحاته الطويلة من قبيل ما يرفعه إلى منزلة أعمال عالمية مثل "في البحث عن الزمن الضائع" لبروست، أو "الحرب والسلام" وغيرهما.. هذا مهم لكنه لا يعنينا في درجة أولى، إنما مرتكز حفاوتنا به يكمن في اتكائه على ألف ليلة وليلة التي تعد أصلا عالميا في هذا المجال، لا أصلا عربيا أو شرقيا، ثم في تفرعه عن أصل في السرد مكين، ولنا أن نلمح ضمن مئات المدونات إلى إنجازين كبيرين في مجال الدراسات القصصية هما: دون كيخوت لهيجل دي سرفنتيس، ومجمل أعمال الأرجنتيني ذي الأصل الاوروبي جورج لويس بورخس، فمن خلالهما نستقرئ بعض كيفيات الاستفادة الفنية من هذا الأثر الخالد، وذلك هو الدافع القوي الذي يجعلنا اليوم نرحب أيما ترحابا بهذا المؤلف الضخم، مؤلف الأستاذ أحمد ابراهيم الفقيه المفضية حكايته الاطارية إلى حكايات جزئية، أو روايات جزئية، نكاد في هذا السياق لا نستثني غير ذلك الصفحات الطوال من السرد الشاعري، التي تغني الأسلوب، لكنها تسهم في إصابة الشكل بشيء من الفتور.

المكان يرتاد مصر والحبشة، ارتياد الجبال والبحار والغابات والواحات، ومعالجته للحياة داخل الثكنات والسجون والقصور، وتقليبه العادات والعقائد والأنظمة والتحولات.. فهو يعتمد على تنويعات شتى في مستوى الشكل تأتت له من جهة تعامله مع فن القص القديم المشار إليه آنفا.

هذا يمكن القصة من المزيد من التنوع في مستويات المعنى/ والمبنى القصصي، والأسلوب اللغوي ومن ابتداع مجال واسع من التنوع مخصوص بها، منسجم مع التجربة القصصية التي يتوق المؤلف إلى ارتياد مجاهلها، فلقد استعار هذه البنية بكيفية ذكية، وطوعها لقول ما يرغب في التعبير عنه... بدءا بخروج "عثمان الشيخ" من قريته مطرودا منبوذا.. حتى عودته مظفرا إلى قرية "أولاد الشيخ".. أنجز ذلك في إطار من المداورات فريد.. مخضعا عمله إلى فنيات الإرجاء والتقديم والتأخير.

وقد يكون جديرا بنا انسجاما مع الذائقة المعاصرة الشائعة في بلداننا العربية أن ننظر إلى فن الرواية، على أنه قد استمد أصوله من الرواية الكلاسيكية الفرنسية باعتبارها النموذج الأوفى للرواية إطلاقا، فتم إهمال الرواية الاسبانية أو رواية أمريكا الجنوبية.

لهذا فإننا نعود لنشير إلى أن الفقيه قد حقق إنجازا باهرا، بإعادة السرد الروائي إلى مهاده الطبيعي، إذ تخطى التقاليد السائدة القائمة على العرض/ وأوج الأحداث/ ثم حل عقدتها، ههنا يفضي بنا التحليل إلى تأمل الصلة بين متن الرواية وعنوانها الكبير "خرائط الروح" فلقد حدث تقارب عميق بين ثلاثة أنواع من الخرائط: خرائط الروح/ خرائط السياسة/ والحرب/ والشعوب/ خرائط الشكل القصصي.

لهذا فإننا نميل إلى التصريح بأن أحمد ابراهيم الفقيه قد اعتمد ما اختزنته الذاكرة القصصية العربية بدءا من ألف ليلة وليلة حتى حلقات الحكي الشفوي.

هكذا يمكن أن نقول إن الفقيه قد سعى إلى الإمساك بخرائط الروح فأمسك بخرائط الكتابة. وكم هي أبقى وأوسع وأشد دواما في مجال القصة! ذلك أن مجال خرائط الروح هو الحياة، أما مجال القصة فخرائط الكتابة القصصية.

في ذلك المكان المتخيل، الذي تتوق إليه الكتابة، ويبحث عنه الشعراء تندغم "خرائط الروح" بـ"خرائط الكتابة".

عودا على بدء أعلن أنه لا قيمة للطول والقصر إلا على اعتبار أنهما يكرران المتواليات إلى ما لا نهاية، ترسيخا لثنائية التجذير والتفريع، هكذا تدعو الجذور تفريعاتها، وتقتضي التفريعات جذوعها.. فتنبثق "خرائط الروح" هذه "الأوديسة" الرائعة.

تعود هذه القناعة إلى أننا إزاء عمل قصصي، الأصل فيه للكيفية التي بها يروي السارد عمله، لهذا فرغم قيمة المواضيع المعالجة، ورغم الهالة العاطفية التي تحيط بها باعتبارها تحيل على التاريخ، فإنها تلبث ثانوية مقارنة بشكل الرواية هذا الذي نتشبث بالإشارة إلى أنه من قبيل بنية القص الشرقي تلك برزت في بداية العصور الحديثة، مجددا – في مطولة سرفنتيس دون كيخوت وعثرنا على بعض آثارها في الديكاميرون فاعتمد ذلك العمل على البؤرة الاطارية وتشعباتها المفضية إلى حكايات جزئية.

هكذا تتداخل المباني والمعاني والمغاني لصوغ ألق جديد للرواية الليبية الموسومة بهموم أحمد ابراهيم الفقيه، وجيل من معاصريه، ينبئنا التصدير الذي اختار الفقيه أن يفتتح به الرواية الثالثة من مطولته بأن خريطة الروح هي المكان الوحيد الوحيد فعلا وإطلاقا الذي يسهل على المرء أن يكون فيه.

إن أحمد ابراهيم الفقيه يجدف عكس التيار الشائع، لهذا فلا يعنيه أن يواصل ما استهلته بكل قدرة وجرأة لدى الأوروبيين، ومن سار على هديهم من كتابنا، بقدر ما يتوق إلى استدعاء فن القص الأصيل الذي ندعو جميعاإلى التشبث به مجددا! في كلمة، ينبغي أن نشهد أننا ههنا إزاء اندغام للمعنى والأسلوب والشكل يؤدي بخرائط الروح إلى أن تغدو.. بحق "خرائط الكتابة"!

أما في خصوص رواية "نوار اللوز".. فهي التي مثلت مستهل اللقيا مع "واسيني الأعرج"، ساعة توليت تدريسها لطلبة المرحلة الثانية بكلية الآداب بالقيروان سنة 1988.. ثم تعاقبت المصافحات المباشرة مع الصديق واسيني الأعرج، ومع الصديق كمال الرياحي طبعا.. حتى كانت تلك اللحظة التي روى لي فيها كمال رحلته إلى الحدود المغربية! ركبني الرعب حقا، وأخذت أتصور ما حدث وما لم يحدث.. وأيقنت أن الإجرام والظلامية وجهان لعملة واحدة!

هكذا يتداخل النصي والمرجعي في خطابنا الحداثي اليوم، فنغدو على بينة من أن الرواية تقول الرعب وتعلن عن المتواري خلف الواجهات الزجاجية الهشة! لقد كان واسيني الأعرج منذورا للموت والهلاك في أية لحظة. هذا مطلق السؤال عن الخصوصية في تجربته الجزائرية الطويلة التي حولت أسلوبه الشعري إلى رغبة في اختراق المأساة.
فالرواية لديه تدعو الشعر، وهكذا كانت فواجع الجزائريين تدعو النص الروائي. فكيف نتصور جنسا روائيا خلوا من فجائع الواقع. يبدو أن مشهد الكتابة لديه يقوم على طبقات من الوعي واللاوعي، يتراكب بعضها فوق بعض فينبئ بعضها عن البعض الآخر. فهل تنبثق غواية الشعر من غواية الخوف أو من خوف فتنة الواقع الملغوم! إنني أكاد أحس بالفجيعة حقا من إمكان اختراق النص من قبل طفل يجري في الشارع الرئيسي في مدينة الجزائر..

كم قطعت ذلك الشارع جيئة وذهابا؟ كم قطعه واسيني في النص وخارج النص؟ الارهاب يعلن علينا الموت.. فنحول الموت إلى إبداع معلن يعبر عن حقنا في أن نكون، ويقول جنوننا وخوفنا وقدرتنا على التحدي!

هكذا فإن الكتابة تنبعث من التردد! هي ليست دليلا على الاكتمال والتوازن بقدر ما تمثل شاهدا على الارتباك الذي يعصف بنا.. ويدعونا إلى أن نستعير الرواية لمواجهة الارهاب، كما نستعير الارهاب لمواجهة الكتابة الروائية!

إن خوفنا يلبث مزدوجا. هو خوف من النص ومن خارج النص، هو خوف كمال الرياحي الذي يلقي بنفسه خارج القطار المغاربي الرابط بين تونس ووجدة! فكيف نلقي بأنفسنا خارج قطار الرواية؟ في هذه اللحظة أستعيد بياض "نوار اللوز" لأرحب بحديث واسيني الأعرج عن "قرص السيانور".

على أساس من هذا ننتبه إلى أن النماذج الثلاثة تضرب في سبيل واحدة، هي سبيل تجديد الرواية العربية. وتوقفنا الروايات التي تأنينا لديها على أن مستهل هذا القرن الجديد قد مكن النصف الثاني من القرن العشرين من أن يسمح للرواية بأن تقول الجديد المبتكر الباهر.

المصدر: العرب أونلاين- صلاح الدين بوجاه

احفظ الخبر وشارك اصدقائك:

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على في تطوّر الرواية العربية

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

Most Popular Tags
  • تطور الرواية العربية
  • ,
  • تطور الرواية
  • ,
  • قصة برق الليل
  • ,
  • الرواية العربية وتطورها
  • ,
  • تلخيص قصة برق الليل
  • ,
  • تطور القصة العربية
  • ,
  • تطور الرواية العربية الحديثة
  • ,
  • نشأة الرواية العربية وتطورها
  • ,
  • برق الليل للبشير خريف
  • ,
  • قصة الدقلة في عراجينها
  • ,

    20/4/2014
    سيارات ومحركات
    اخبار السيارات اخبار السيارات
    سوق السيارات سوق السيارات
    كمبيوتر وجوال
    أخبار الكمبيوتر والانترنت أخبار الكمبيوتر والانترنت
    أخبار الجوال والموبايل أخبار الجوال والموبايل
    سوق الكمبيوتر سوق الكمبيوتر
    سوق الموبيلات والجوالات سوق الموبيلات والجوالات
    وسائط متعدده وترفيه
    أجمل الصور أجمل الصور
    كاريكاتير كاريكاتير
    العاب فلاش العاب فلاش
    خدمات ومعلومات
    إعلانات مبوبة إعلانات مبوبة
    دليل المواقع العربية دليل المواقع العربية
    دليل الشركات دليل الشركات
    الأخبار الأكثر قراءة
    كل الوقت
    30 يوم
    7 أيام
    روابط متميزة
    إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر كافة حقوق النشر محفوظة لأصحابها من المواقع والكتاب والناشرين وشبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن الآراء والتعليقات المعروضة في الموقع إذ تقع كافة المسؤوليات القانونية والأدبية على كاتبها أو/و المصدر الخاص بها.
    شبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية.
    هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager