الوجود في العالم عند موريس ميرلوبونتي

آخر الأخباراخبار الفن والثقافة › الوجود في العالم عند موريس ميرلوبونتي

صورة الخبر: الفلسفة الفينومينولوجية تتمثل في "العودة إلى الأشياء ذاتها"‏
الفلسفة الفينومينولوجية تتمثل في "العودة إلى الأشياء ذاتها"‏

السبت, ‏25 ‏يوليه, ‏2009

زهير الخويلدي*‏: ‏"إن خيارنا الحقيقي هو خيار طبعنا الكامل وطريقتنا في الوجود في العالم" [1] ‏

‏"ليس للفلسفة وظيفة أخرى غير تعليمنا الرؤية الجيدة للأشياء وللوضعيات التاريخية. ويبدو صحيحا القول أنها ‏تتحقق عندما تهدم نفسها كفلسفة منفصلة."[2] ‏

إن الفلسفة الفنومينولوجية هي كشف للعالم وتحديد لموقع الإنسان فيه وليس لها من وظيفة أخرى غير ‏تدريب الإنسان على التبصر الجيد في الوجود والاعتبار من المنعطفات التاريخية، ومن أجل ذلك نراها ‏تنهض في سبيل الإجابة عن سؤال ما الرؤية؟

وما معنى العالم الذي نراه من خلال هذه الرؤية؟ وتحاول ‏إعادة تعليم الإنسان رؤية العالم، كما ترتكز على نفسها في حوارها مع العالم أو بالأحرى تعتمد على نفسها ‏لتوجه إليها كل الأسئلة التي توجهها لكل المعارف الأخرى، فتصبح حوارا أو تأملا لا ينتهي، فهي تلتقط ‏المعنى وهو عند حالة الولادة، فتكون حركة ومثابرة تبعث على الانتباه والتعجب ولا تركن إلى أي عقيدة أو ‏نظام،فتتضاعف بهذا إلى ما لا نهاية.

وهذا الطابع المبتدئ على الدوام وعدم اكتمالها ليس علامة فشل بل ‏علامة على تقدمها وتحفزها وبقدر ما تبقى أمنية لهذا القصد فإنها تظل الصراط المستقيم نحو تحصيل السعادة ‏والفوز بالمعنى أو الأفق الوحيد لفهم سر العالم وكشف لغز التاريخ.‏

يمحص ميرلوبونتي تعريف الفلسفة كما تلقاه عن هوسرل وهي الفنومينولوجيا التي يعرفها بأنها:" دراسة ‏جواهر الأمور وكل المشاكل بالنسبة لها تعود إلى تعريف الجواهر: جوهر الإدراك، جوهر الوعي، مثلا. ‏

ولكن الظواهرية هي أيضا فلسفة تعيد وضع الجواهر في الوجود ولا نعتقد بأنه من الممكن فهم الإنسان ‏والعالم من غير الانطلاق من حدثيتهما"[3] ويسترسل ميرلوبونتي إضافة في التعريف وإبانة في حدها ‏قائلا:"إنها فلسفة التعالي تضع جانبا تأكيدات الموقف الطبيعي من أجل فهمه... إنه طموح الفلسفة إلى أن ‏تصبح علما صحيحا وهو أيضا عرض للمكان والزمان والعالم التي نعيشها. إنها محاولة وصف مباشر ‏لتجربتنا كما هي بغض النظر عن أصلها النفساني وتفسيراتها السببية."[4]‏

العالم ليس الذي أفكره بل الذي أعيشه وليس الذي أسيطر عليه بل الذي أنفتح له وينفتح لي أتصل به بلا شك ‏ولكنني لا أمتلكه فهو غير قابل للفناء أما التاريخ فليس الذي يمشي على رأسه ولا الذي يفكر بأقدامه بل جسد ‏التاريخ ذاته أو عمقه خصوصا وأن الفلسفة وجهة نظر أو اتحاد موقف للذهاب إلى التاريخ بدمه ولحمه فهي ‏تتحقق فعليا وتستوفي شروط واقعيتها عندما تهدم نفسها كفلسفة منفصلة وآيتنا في ذلك أن الفيلسوف لا يحتاج ‏أبدا إلى فصل الفلسفة عن التاريخ حتى يبقى فيلسوفا بل يكفي أن يبرز في فكرة تأثيره في العالم حتى يكون ‏ذلك الشاهد غير المنحاز والشهيد الملتزم الذي يحقق في الوجود مشاريعه الخاصة والذي يأخذ مصيره بنفسه ‏وبيده فيصبح مسؤولا عن التاريخ لا بالفكر بل بالقرار الذي يلزم فيه حياته لقيمه ويؤكد ذلك بالممارسة وهذا ‏القرار يتجسد في وجوده الحر أو حريته الوجودية. ‏

الوجود في العالم هو حضور متعين باللحم في الكون وهو ارتباط بأمنا الأرض و"الأرض مركز العالم ‏وعموده والأرض بيت الآلهة ورحم الممكنات والأرض مصدر الحركة والسكون اذ هي أرومة ومعلم، ‏والأرض فردوس المعنى وموطن الاستضافة وليست جسما أو مجرد فلك من الأفلاك بل هي الفلك". [5]‏

هكذا "فإن نمط التفلسف الوحيد الذي بحوزتنا لن يكون سوى ضربا من التحرر الجذري من أوهامنا عن ‏أنفسنا والعودة الفينومنولوجية إلى العالم المعيش وإلى العصر في عيانيته والإنصات إلى نبضاته وما يختمر ‏في دواخله". فما الفرق بين النظرة والرؤية؟ وكيف يمكن تجاوز الموقف الطبيعي والرؤية العفوية للعالم نحو ‏رؤية فنومينولوجية له؟

حقيقة الرؤية
‏"إن حقيقة إمكانية معينة ليست سوى إمكانية الحقيقة، وفكرة الرؤية ليست سوى رؤية في الفكر ولن نملكها إذا ‏لم نملك قبلا الرؤية حقا."[6]‏

إن النظر يمكن أن يتم من مكان معين دون أن ينغلق في وجهة نظر معينة دون أخرى، فأن نرى لا يعني أننا ‏ننظر أو نشاهد، إن رؤية الشيء تعني إما أخذه على هامش الحقل البصري والتمكن من التركيز عليه وإما ‏الإستجابة فعليا لهذا الإغراء والتركيز عليه فعندما أركز عليه فإنني أتعلق به.

و لكن هذا التوقف للنظر ليس ‏سوى شكل لحركته : إنني أستمر داخل الشيء بالاستكشاف الذي كان يتجه قبل الآن نحو جميع الأشياء و ‏بحركة واحدة أقفل المنظر و أفتح الشيء إنه من الضروري إبقاء المحيط مموها لكي أرى الشيء بشكل ‏أفضل و أن أخسر في العمق ما أربحه في الصورة لأن رؤية الشيء تعني الغوص فيه وأن الأشياء تشكل ‏منظومة بحيث إن أحدها لا يمكن أن يبرز دون أن يخفي الأشياء الأخرى و أكثر تحديدا فإن الأفق الداخلي ‏لشيء لا يمكن أن يصبح موضوعا دون أن تصبح الأشياء المحيطة أفقا, فالرؤية هي فعل ذو وجهين . ‏

‏"إذا كان التفكير يبغي تبرير نفسه كتفكير أي كتقدم نحو الحقيقة فعليه ألا يكتفي باستبدال نظرة عن العالم ‏بنظرة أخرى، عليه أن يبين لنا كيف أن الرؤية الساذجة للعالم هي مفهومة ويجري تجاوزها في الرؤية المفكر ‏بها. فالتفكير يجب أن ينير ماهو غير مفكر به والذي يليه وعليه أن يبرهن عن إمكانيته لكي يستطيع أن يفهم ‏ذاته كبداية"[7].‏

إن النظر إلى الشيء يعني الدخول في عالم من الكائنات التي تبرز وهي قد لا تبرز إلا إذا كانت قادرة على ‏الاختباء وراء بعضها البعض أو ورائي وبعبارات أخرى إن النظر إلى الشيء يعني الحلول فيه ومن هناك ‏مواجهة كل الأشياء وفقا للوجهة التي تديرها نحوه ولكن بما أنني أراها هي أيضا فإنها تبقى أماكن مفتوحة ‏لنظري وبحلولي نظريا فيها فإنني بالتالي أرى الموضوع المركزي لبصري الحالي من زوايا مختلفة. ‏

إن الإدراك الحسي هو الرؤية الفنومينولوجية للعالم وهو مكمن الغموض الذي يخفي سر امتداد الإنسان في ‏العالم وامتداد العالم في الإنسان و"إن ما به ننتمي إلى الأرض هو أجسادنا. ف"نحن لسنا ملائكة بل كائنات ‏أرضية من لحم ودم. نحن قبل كل شيء أرضيون وقاطنون للنقطة الأسفل في الكون كله والتي هي مستودع ‏كل أنواع التأثيرات المتأتية من أعلى"[8].‏

الأرض تربة التواصل كما يقول الأستاذ العيادي وهي زاوية النظر التي يشيع من خلالها المرء بصره نحو ‏الدنيا، "فإذا قررت رؤية الأشياء حتى من زاوية نظر عالية جدا فإنني ألجأ لفعل ذلك أيضا، إلى تجربتي ‏الأرضية، وبذلك تكون الأرض هي المعلم وحتى لو افترضنا وجود أرض أخرى مع إمكانية الإقامة فيها فإن ‏ذلك لا يؤدي إلى مضاعفة المرجعية أو تحويلها أو تغييبها أو إلحاقها بالمواقع الجديدة بل تلك المواقع هي ‏التي تجد مرجعيتها في الأرض."[9]‏

وهكذا فكل شيء هو مرآة جميع الأشياء الأخرى وإن كل أشياء العالم التي تلتقط و كأنها متعايشة لأن كل ‏واحدة منها هو كل ما تشاهده الأشياء الأخرى منه لذلك فإن الصبغة التي أعطيناها يجب أن تتغير: فالشيء ‏المكتمل شفاف فهو مخترق من جميع الجهات بعدد راهن ولا متناه من الأنظار التي تتقاطع في عمقه ولا ‏تترك فيه أي جانب خفي.

ولكن نظري البشري لا يطال مطلقا من الشيء إلا وجها واحدا حتى ولو كان ‏بواسطة الآفاق يهدف إلى التقاط جميع الأوجه الأخرى فهو لا يمكن أن يقابل أبدا بالنظرات السابقة أو ‏بنظرات الأشخاص الآخرين إلا بواسطة الزمن واللغة.

‏"أن نرى وفق الأشياء وأن لا ننساق إلى الرؤية وفق القائم من الأمر معناه أن نعود إلى التلقائي أو العفوي أو ‏إلى نبع المعنى الخام الذي ينهل منه الفن مثلا."[10]‏
إذا كان يجب أن يكون هناك شيء مطلق فمن الضروري أن يكون هناك عدد لا متناه من وجهات النظر ‏المختلفة والمجتمعة في تعايش بالغ الدقة وأن يعطي ذلك برؤية لها آلاف من النظرات. لكن بأي معنى يكون ‏الإنسان حرا طالما هو موجود في العالم؟ أو بالأحرى كيف يتحول الإنسان من كائن لذاته إلى كائن في العالم ‏؟ كيف يمكن أن نرى الحرية عند الإنسان من حيث هو كائن في العالم؟

وجود الحرية‏
‏"حريتك لا يمكن أن تتحقق إلا بالخروج من فرادتك ودون أن تريد الحرية."[11]‏
إذا عدنا إلى وجود الحرية محاولين رؤيتها عند الإنسان أو رؤية الإنسان وهو حر في العالم فإنه علينا أن ‏نكتشف أصل الحرية في قلب تجربتنا بالذات وأن نصف ظهور الحرية وأن نفهم بشكل مفارق كيف يوجد ‏بالنسبة لنا الإنسان الحر الكائن لذاته دون أن نعطي حكما مسبقا ودون أن نأخذ الحرية بحرفيتها ودون أن ‏نطرح عليها أسئلة لا تطرحها على نفسها أي أن نصنف تجربة الحرية كما يعيشها الإنسان في العالم باندفاعه ‏وحيرته وتهربه وفي تحديد للغة والزمان والمكان وكل تحديد موضوعي.‏

‏"إن حريتي، القدرة الأساسية التي أملكها بأني فاعل "ذات" لجميع تجاربي، ليست متميزة عن انخراطي في ‏العالم. انه مصير لي أن أكون حرا وأن لا أستطيع إلى أي شيء مما أعيشه، وأن أحتفظ تجاه أي وضع قائم ‏بملكة التراجع، وهذا المصير قد ترسخ في اللحظة التي انفتح فيها حقلي المتعالي وولدت لرؤية ومعرفة ‏وقذفت إلى العالم."[12] ‏

لكن هل هناك حدود للحرية بالفعل؟ ‏
‏"إذا أخذت نفسي في تكثفي في المطلق وكما يعطيني التفكير لنفسي، فأنا سيل خفي وسابق للإنسانية لم أكتسب ‏صفة بعد"[13]‏

يرفض ميرلوبونتي أن تتحدد الحرية بالانتصار على نقيضها وعلى ما يضادها لأنه لا توجد أية علاقة سببية ‏بين الذات وجسدها وعالمها أو مجتمعها فعندما تتوجه الذات على التو نحو نفسها قصد الحضور في ذاتها ‏تلحظ سبيلا خفيا ومشروعا شاملا حيث ليس ثمة بعد لحالات الوعي إلا هذا الشعور بأنها تتعدى صفاتها و ‏بأنها تخضع لها أليس الحرية هي الثمن الذي تدفعه الذات لكي تكون في العالم؟ فهل هذا التأفف والانزعاج ‏والقدرة الهائلة على الهروب هي أمارات الحرية؟ ‏

‏"ما كان الاقتلاع الأزلي الذي بدأنا به تحديد الحرية ليس مجرد وجه سلبي لالتزامنا الشمولي في عالم معين ‏إذا لم تعبر لامبالاتنا تجاه كل شيء محدد عن انخراطنا في الأشياء جميعا وإذا لم تتحول الحرية الجاهزة التي ‏انطلقنا منها إلى قدرة مبادرة قد لا تستطيع التحول إلى صنع دون أن تستعيد بعض اقتراحات العالم، وإذا، ‏أخيرا، لم تكن الحرية الملموسة والفعلية في هذا التبادل"[14].‏

يبرهن ميرلوبونتي على وجود حرية جذرية لدى الإنسان تسبق تموضعه في العالم مؤكدا أنه لكي يتمكن شيء ‏ما من أن يحددني من الخارج يجب أن أكون شيئا "فالإنسان ليس حرا في بعض الأوقات وعبدا مقيدا في ‏البعض الآخر بل إنه حر بشكل مطلق وجذري لا فقط لأن وجوده يسبق ماهيته بل لأن "حريته وشموليته لا ‏تقبلان هذا الاختفاء" فإما أن يكون حرا أو لا يكون و"ليس معقولا أن أكون حرا في بعض أفعالي و محددا في ‏الأفعال الأخرى : ماذا ستكون عليه هذه الحرية المعطلة التي تترك الحتميات تفعل فعلها ؟ فإذا افترضنا بأنها ‏تلغي عندما لا تفعل فمن أين تخلق من جديد؟"

إذا أصبح الإنسان حرا ولو لمرة واحدة فقط فهذا يعني أنه ليس في عداد الأشياء بل في عداد الكائنات وعليه ‏أن يبقى كذلك بلا انقطاع . فإذا بطلت أفعال الإنسان أن تكون خاصة به ولو لمرة واحدة فقط فإنها لن تعود ‏أبدا وإذا فقد سيطرته على العالم فإنه لن يستعيدها أبدا، وينفي ميرلوبونتي أن يتم الحد من هذه الحرية المطلقة ‏والجذرية بأي اسم كان سواء باسم السببية أو باسم الدافع أو باسم الفعل الإرادي.

لأنه لا يمكن أن نكون ‏أحرارا قليلا و بالتالي فالحرية إما أن تكون مطلقة أو لا معنى لها "إن الحرية في كل مكان وهي أيضا ليست ‏في أي مكان" ويدعو إذن إلى التخلي عن فكرة السببية وفكرة الدافع.‏

انظر ماذا يقول ميرلوبونتي في هذا الإطار:"إن تعبي يوقفني لأنني لا أحبه ولأني اخترت طريقة كوني في ‏العالم بشكل مختلف ولأنني مثلا لا أسعى إلى أن أكون في الطبيعة بل أسعى بالأحرى إلى أن أنال اعتراف ‏الآخرين. أنا حر تجاه التعب بالقدر ذاته الذي أكون فيه حرا تجاه كينونتي في العالم وحرا في متابعة طريقي ‏شريطة أن أغير هذا العالم"[15].‏

‏ لكن كيف يسمح الوجود الحر للإنسان بأن يكون موجودا في العالم وأن يغيره في الآن نفسه؟ أليس الطموح ‏إلى التغيير يقتضي الخروج من العالم الطبيعي إلى العالم الانساني؟ ثم ماهو دور التاريخ في عملية التغيير؟ ‏ألم يقل ميرلوبونتي:" ان التاريخ لا يمشي على رأسه ولكن صحيح أيضا أنه لا يفكر بأقدامه.

والأصح من ‏ذلك علينا ألا نهتم برأسه ولا بأقدامه بل بجسده."[16]؟ أليس التاريخ هو الذي يعزز وجودنا في العالم ويمنح ‏أفكارنا و أفعالنا وأقوالنا معنى؟

المصدر: العرب أونلاين

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الوجود في العالم عند موريس ميرلوبونتي0

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
الأخبار الأكثر قراءة
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم
An error has occurred. The system administrator has been notified
Error Number: 20140915103139
إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع    استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر

هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager