مقالاتمواضيع عامة › عوائق النهوض الحضاري

عوائق النهوض الحضاري

عوائق النهوض الحضاري

بقلم: د. عصام البشير
ثمة أسسٌ ومبادئُ إن لم يقم عليها خطاب النهضة المنشود؛ فسيكون تكرارًا لما سبق، ولعل من أهم الأسس التشخيص الحقيقي لأدواء الأمة.. فهذا هو المدخل الأساسي لوضع اليد على مكامن الداء الحقيقي الذي عطل الأمة عن مسير الأمم، ورمى بها بعيدًا للوراء.

والحقيقة أن الأدواء كثيرة، وليست داءً واحدًا. ولعل أحد أهم أسباب إخفاق مشروعات النهضة -طَوالَ العقود الماضية- هو التشخيص الخاطئ؛ فالعقلية الببغائية (التي كانت مجرد صدى لما يطرح في الغرب) حصرت سبب التخلف في الدين، وبعضهم خففها في العقلية الدينية، والبعض حصرها في الجانب السياسي أو الاقتصادي؛ لذلك كانت خطوات العلاج ناقصة ومبتورة، وربما ضرت أكثر مما نفعت.

ونحن قد لا نجادل في أن الأمة تمر الآن في أسوأ مراحلها، وقد ضرب جسدَها الهزيل أمراضٌ عديدة أصبحت مزمنة وكأنه استحال إيجاد علاج لها، إضافةً إلى أن هذه الأمراض أعقد من أن يشخصها أو يصل إلى أعماقها فردٌ واحدٌ أو مجموعةٌ منفردةٌ وبإمكانيات محدودة من النظر والبحث.

الأمة في أشد الحاجة إلى صفوة عقولها الصادقة المخلصة الواعية بطبيعة واقعها وتعدد مشكلاتها في جميع التخصصات؛ لتقوم بدراسة واقع الأمة كما هو، وتستعرض مشكلاته جميعها بالتفصيل الدقيق (لا يطغى جانب على جانب).

ويجب ألا تتطاول بنا -فوق المعقول- فترةُ مثل هذه الدراسة.. فكم أهدرنا من أعمارٍ وجهودٍ ولم ننجز شيئًا!

وفي حال التشخيص المتكامل وبيان الأسباب الحقيقية أو ما كان عرضًا لسبب ونظنه سببًا؛ تقدم الحلول المبنية كذلك على دراسات متخصصة ومعمقة.

وقد تحتاج بعض الأمراض زمانًا طويلاً لعلاجها، ولكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، ومشروع النهضة مشروع يقاس بعمر التاريخ لا بعمر الأفراد؛ فغالبًا لا ينجز في حياة جيل واحد. وما أكثر ما تضررنا من استعجال الثمرة!

وإذا كان لا بد لنا -وإن في مثل هذا المدخل- أن نرصد أهم أمهات المشكلات والأدواء التي هي العوائق في طريق نهضة أمتنا؛ فإننا يمكن أن نكثفها في هذه الثمانية..

1- الاستبداد: الذي يقمع الناس ويقسرهم على أهواء الحكام وما يشتهون من الحكم المطلق في البلاد والعباد! والاستبداد كله -ما ظهر منه وما استتر- شرٌّ، ولا سبيل إلى نهضة حقيقية دون الحرية الكاملة، فقديمًا قال عنترة لسيِّده إذ طلب منه الكَرَّ: العبد لا يَكُرّ! ومن هنا، فلا عجب أن يتفطن علماؤنا إلى أن يجعلوا الحرية من أهم مقاصد الشرع العليا.

2- غياب العدالة: فالعدل أساس الملك، كما يتغنى الجميع من غير جدوى! وما أذكى ابن تيمية -رحمه الله- حين قال: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، على الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.

3- التسيب الأخلاقي: فالأمم -كما يقول أمير الشعراء- الأخلاقُ ما بقيت، فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا! وقد حصر النبي الأكرم -صلوات الله عليه- الغاية من إرساله في إتمام مكارم الأخلاق، وكذلك أشارت الآية الكريمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وهل الرحمةُ إلا جُمَّاع الأخلاق الكريمة؟!

4- التخلف التنموي: الذي أوصلنا إلى الحال التي وصفها الشيخ محمد الغزالي بقوله: "إنني أخشى إن قيل لكل شيءٍ في بلادنا: عُدْ من حيث أتيت؛ أن نمشي حفاةً عراةً راجلين!". وهذا التخلف عميقٌ في بنية حياتنا اليومية، حتى وإن تبهرجنا بكثيرٍ أو قليلٍ من "مظاهر" الحداثة.. فهي مصطنعةٌ زائفة، على حد ما قال نزار قباني: خلاصة القضيةْ.. توجز في عبارةْ.. لقد لبسنا قشرة الحضارةْ.. والروح جاهليةْ!

5- التخلف التِّقْني: وهذا جزءٌ مما سبق، لكنه قد يكون الجزءَ الأهم والأفدحَ أثرًا والأظهرَ أثرًا! فنحن نكاد نكون خارج سياق الحضارة المعاصرة، إلا أن نكون مستهلكين!

6- الجمود والتقليد: على صعيد الفكر والثقافة والعلم، فيما يخص أمور الدين وشئون الدنيا جميعًا! لا نزال نجتر ماضينا اجترارًا، أو نقلد مناهج شرقيةً أو غربيةً تقليدًا غير مستبصر.

7- التمزق والتدابر: على صعيد السياسة والاقتصاد.. فلا نزال عاجزين عن تحقيق الحد الأدنى من "التنسيق" السياسي (مجرد "التنسيق" لا "الوحدة المتكاملة"!)، كما أننا عاجزون عن تطبيق أبسط صور "التعاون" الاقتصادي (مجرد "التعاون" لا "التكامل" وصولاً للاكتفاء الذاتي في محيطنا!).

8- الاستبداد والتبعية: على مستوى القرار السياسي والسيادة على الأوطان.. وهذا سببٌ فيما سبق من وجهٍ، ونتيجةٌ له من وجهٍ آخر. فالطغيان والظلم والانحلال والتخلف والجمود.. كلها كوارثُ تجلب الطغاة، والغزاة لا يدخلون قريةً إلا جعلوا أعزةَ أهلها أذلَّةً.

الكاتب: د. عصام البشير - المصدر: مجلة الأمة
عدد المشاهدات: 5443
تاريخ المقال: Thursday, July 28, 2011

التعليقات على عوائق النهوض الحضاري  "2 تعليق/تعليقات"

الشيخ الب20/5/2012

شكرا للأستاذ عصام البشير على هذه المقالة المتميزة التي لخصت جميع معوقات النهضة

اتعبني الشوق7/1/2012

مشكووووورعلى الموضوع وارجو من الكل يستفيد منه

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
69566

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق عرب نت 5 مجانا الآن
سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
المقالات الأكثر قراءة
مقالات جديدة
Most Popular Tags

عوائق العدل

,

الأمراض الحضارية

, عوائق تحقيق العدل, اخفاقات الحضارة, أمراض الحضارة, أسباب و عوامل التبعية للحضارة الغربية,

اسباب اخفافق الحضاره

,

مظاهر عوائق العدل

,

عوامل التخلف المسلمون وكيفية النهوض

,

ماهي اخفاقات الحضاره الاسلاميه

,

إخفاق الحضارة

,

اخفاق الحضارة

,

المظاهر الحضارية لثورة 25 يناير

,

اسباب و عوامل التبعية للحضارة الغربية

,

إسباب وعوامل التبعية للحظارة الغربية

,

اسس النهوض

,

المسلمون عوامل التخلف وكيفية النهوض

,

اسباب اخفاق الحضارة الاسلامية

,

اسباب اخفاق الحضاره

,

ماهي اخفاقات الحضاره

,

سبب اخفاق الحضاره

,

أسباب اخفاق الحضارة

,

إخفاق الحضارات

,

( التخلف الحضاري عند المسلمين أسبابها وعلاجها)

,

قصص القران ومقاصد النهضة

,

ما هى ابرز مظاهر ثورة 25يناير

,

الثورات العربية والنهوض الحضاري

,

التقدم والحضارة الشيخ الغزالي

,

الامراض الحضارية

,

اسباب المرض في الحضارات الاولى

,

العدل اساس الحضارة

,

العدالة اساس الحظارة

,

كيفية النهوض بالبيئة ومحيطنا

,

دور الأخلاق في النهوض الحضاري

,

العبد لا يكر

,

إخفقات الحضارة

,

عوامل تحقيق العدل

,

النهوض الحضاري

,

أسباب التخلف الحضاري

,

ما هي عوائق النهوض بالمسلمين ؟

,

كيفية النهوض

,

التخلف الحضاري

,

اسباب و عوامل الثبعية للحضارة الغربية

,

عوائق حقيقية ووهمية فى طريق النهوض الحضاري

,

فن النهوض بالامم

,

إخفاقات الحضارة

,

المشروع الحضاري للامة الاسلامية عصام البشير

,

المسلمون عوامل التخلف وكيفية ا

,

اسباب عوامل التخلف وكيفية النهوض المسلمين

,

سبب تخلف المسلمين وطريقة نهوضها

,