الخطاب “الكارثي” الذي ألقاه الرئيس المصري محمد مرسي مساء الأربعاء الماضي (26 يونيو 2013) جاء صادماً لكل التوقعات، خصوصاً أنه جاء بعد 48 ساعة فقط من حديث شديد الأهمية كان بمثابة “بيان” رسمي للقائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي الذي دعا فيه كافة القوى السياسية إلى “إيجاد صيغة تفاهم وتوافق ومصالحة حقيقية لحماية مصر وشعبها” وقال بوضوح: “لدينا من الوقت أسبوع يمكن أن يتحقق خلاله الكثير”، فقد جاء خطاب الرئيس مرسي خالياً من أي مضمون في مقدوره أن يحقق تفاهماً أو توافقاً أو مصالحة وطنية حقيقية قبل أن يأتي إعصار الثلاثين من يونيو ما يؤكد أنه، من الناحية الفعلية ليس مع نزع فتيل الانفجار المحتوم للأحداث، وهو، أي الخطاب جاء من ناحية أخرى متجاهلاً تماماً لكل ما تموج به البلاد من تطورات ساخنة تشمل معظم محافظات مصر محورها تحرك شعبي رافض لحكم الإخوان ورئاسة مرسي . بعض هذه التطورات شهدت صدامات دامية راح ضحيتها عشرات من القتلى والجرحى، لكن الأهم هو كل تلك الجدية والاصرار الشعبي على تجميع وتوقيع استمارات “حملة تمرد” لتجاوز الهامش المحدد (15 مليون توقيع) والإعداد للنزول إلى الشوارع في كافة المحافظات بالملايين وليس فقط في كل من ميدان التحرير ومحيط قصر الحكم (قصر الاتحادية) بالقاهرة، وعلى الجانب الآخر كان الحشد الإخواني - السلفي (الجهادي والتكفيري) المضاد للدفاع عما أسموه ب “الشرعية” ومنع إسقاط الرئيس .

فعلى مدى أكثر من ساعتين ظل مرسي يتحدث في كل شيء إلا أن يقترب من دعوة إسقاطه! هل هي ثقة في النفس إلى هذا الحد وما هو مصدر كل هذه الثقة؟ هل يراهن على أهله وعشيرته (تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات السلفية الجهادية والتكفيرية)، أم أن الرهان الأهم على الدعم الأمريكي الواضح والصريح كما جاء على لسان السفيرة الأمريكية في القاهرة؟

الأمر المؤكد أن تجاهل الرئيس لإعصار الثلاثين من يونيو كان تجاهلاً تمثيلياً للإيحاء بأنه قوي، وأنه مستمر في عمله وأن لديه خطة لإدارة الدولة وتصحيح الأخطاء . كل هذا كان محاولة لإخفاء حالة الرعب التي يعيشها وجماعته بدليل تلك الحالة من التشتت والتخبط التي سيطرت على أدائه الخطابي ووقوعه في أخطاء قاتلة بحق أشخاص بعينهم وهيئات بعينها (خصوصاً القضاء) يعاقب عليها القانون، وبدليل كل التهديدات الانفعالية التي وردت على لسان بعض من قادة الجماعات الجهادية والتكفيرية لإرهاب المصريين، ومنعهم من المشاركة في الاعتصامات التي ستبدأ غداً على نحو ما جاء على لسان عاصم عبدالماجد عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية وعلى نحو البيان الصادر عن الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وعلى نحو ما تعمد الإخوان إظهاره في تظاهرة الجمعة (21 يونيو 2013) من استعراضات للقوة .

ففي مؤتمر بمدينة المنيا (صعيد مصر) وصف عاصم عبدالماجد (الذي أخرجه الرئيس مرسي وزملاءه من السجن بتهم قتل مصريين) تظاهرات 30 يونيو بأنها “حرب عقائدية”، وأن أطراف مؤامرة خلع الرئيس هم “متطرفو الاقباط والشيوعيين والفلول”، مؤكداً أن الإسلاميين سيواجهون الخروج عن السلمية بالقوة، مضيفاً: “قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار”، ما يعني تجديد الخطاب ذاته، خطاب الإيمان والكفر الذي استخدم ومازال يستخدم لترويع المصريين . أما الهيئة الشرعية للحقوق والاصلاح فقد رفضت في بيانها تظاهرات 30 يونيو “لما يصاحبها من عنف وقتل وحرق وتدمير”، واكملت الجبهة السلفية بدورها مسلسل الترويع بالإفتاء ب “وجوب عدم مشاركة المسلم في تظاهرات 30 يونيو لأنهم (المتظاهرون) اعتدوا على بيوت الله (لم يحددوا من هم الذين اعتدوا على بيوت الله وأين ومتى؟)” .

هذا المسلسل الترويعي التكفيري يبدو أنه طمأن الرئيس بأن شيئاً ذا قيمة لن يحدث يوم الثلاثين من يونيو، لكن الطمأنة الحقيقية ربما يكون مصدرها الدعم الأمريكي الواضح والصريح والثقة بأن الموقف الأمريكي الداعم لتظاهرات ثورة 25 يناير 2011 لن يتكرر مرة ثانية معه .

فالرئيس مرسي في ما ينقل عنه وعن معاونيه واثق من الدعم الدولي له في المجمل لأنه الرئيس المنتخب شرعياً، ولأنه قادر على التعامل مع المصالح الدولية في المنطقة بصورة جيدة (حتى ولو كانت بالطبع على حساب المصالح الوطنية المصرية) . الثقة الحقيقية مركزة في الدعم الأمريكي وفقاً لما نقلته السفيرة الأمريكية في لقاءاتها مع خيرت الشاطر النائب الأول لمرشد الإخوان وغيره من قادتهم، في لقاءات تمت مع بعضهم على مدى الأيام الماضية والتي تفيد بأن البيت الأبيض لن يعلن أي دعم للتظاهرات، حتى ولو كانت حاشدة، وأن موقف واشنطن ثابت في مطالبة احترام شرعية الرئيس المنتخب مع تحفيزه للتواصل مع المعارضة والنظر في حلول توافقية .

هذه الطمأنة الأمريكية لم تقتصر على ذلك، لكن البعض يروج لمقولة إن هناك طمأنة أمريكية بعدم تحرك الجيش ضد الرئيس، وإن الجيش لن يستطيع أن يتحرك من دون تدخل أمريكي، ومن ثم فإن الحشد الجماهيري أياً كان حجمه ومهما كانت استمراريته لن تكون له قدرة فرض التغيير من دون تدخل الجيش، ولعل هذا ما جعل قادة الإخوان يستقبلون بيان الفريق أول السيسي بالترحيب انطلاقاً من أنه لم يتضمن ما يؤشر لإمكانية الانقلاب على الشرعية .

هذه الرهانات كلها من ناحية الواقع، رهانات ساقطة وفاشلة تماماً كما هو أداء الرئيس على مدى عام كامل، فما يحدث الآن تجاوز كل أحزاب وقوى وقيادات المعارضة . إن ما يحدث هو وعي وتحرك شعبي واسع بات على يقين بأن مصر لم تعد مستعدة لحكم الإخوان أكثر من هذا العام . الشعار الآن هو “عام واحد كفاية” وان القرار هو انتخابات رئاسية مبكرة لأسباب كثيرة .

أول هذه الأسباب الثقة بأن الرضا الشعبي على الحكم هو أساس الشرعية، وإذا كان مرسي قد حصل على ستة ملايين صوت تقريباً في جولة الانتخابات الرئاسية الأولى وعلى ما يقرب من 14 مليون صوت في جولة الإعادة بحصوله على دعم العديد من القوى السياسية من كل الاتجاهات رفضاً من هذه القوى لمجيء رئيس يمثل امتداداً لحكم مبارك، فإن ما تم انجازه من توقيعات المصريين بكامل إرادتهم على استمارات “حركة تمرد” تفوق كل التوقعات وتدعو مرسي للتنحي فوراً .

ثاني هذه الأسباب الوعي الشعبي بأن الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة هو من أسس الحكم الديمقراطي عندما يصعب استمرار الرئيس لفشله أو لعجزه عن تحقيق الرضا الشعبي . فالحاكمية للشعب ولإرادته التي يجب ألا تعلوها أي إرادة بشرية أخرى (الرئيس أو البرلمان) .

ثالث هذه الأسباب أن الشعب المصري بملايينه لن تهزمه تهديدات أو ترويعات الإخوان والتكفيريين بعد أن اكتشف الشعب زيف انتمائهم لما يعرف ب “الإسلام السياسي” واليقين بأن ما حدث الآن هو صراع على السلطة والثروة أكثر من صراع على الشرعية . كما أن الشعب لن يأبه بتجاهل أمريكي أو دولي لثورته، بل سيكون سعيداً جداً بهذا التجاهل وسيواصل مشوار تصحيح ثورته .

أما رابع هذه الأسباب فهو الثقة بأن الجيش الوطني لن يسمح أبداً بقهر إرادة الشعب، ولن يخيفه تحذير أمريكي .
 

 * نقلا عن "الخليج" الإماراتية