مقالاترؤية ورصد للأحداث › الثورة البحرينية والشماعة الطائفية

الثورة البحرينية والشماعة الطائفية

الثورة البحرينية والشماعة الطائفية

الثورة البحرينية والشماعة الطائفية  بقلم د. حاكم المطيري

لم أتفاجأ بما تعرض له المتظاهرون في دوار اللؤلؤ من مجزرة وحشية على يد قوات الجيش والأمن، فليس الجيش البحريني هو الجيش المصري أو الجيش التونسي، بل الجيوش في الخليج العربي ليس لها أي مهمة لحفظ حدود دولها المستباحة من قبل القواعد العسكرية الأجنبية، بل مهمة تلك الجيوش هي فقط حماية تلك العروش!

إن ما جرى في البحرين هو بداية - وليس نهاية - الزلزال الذي هز المنطقة العربية كلها من الخليج إلى المحيط، إيذانا ببداية عصر جديد، عصر طالما تطلع له العرب، الذين فقدوا في أوطانهم إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم، على أيدي حكوماتهم!

لقد كان أشد أحداث الثورة البحرينية خطرا، هو تصريح وزير الداخلية بأن القمع الوحشي الذي مارسته القوات كان لمنع الانزلاق إلى فتنة طائفية!

وهو يذكرنا بهذه التبريرات بممارسات حبيب العادلي وزير الداخلية المصري، الذي حاول إشعال فتنة طائفية كبرى في مصر بتفجير الكنائس من أجل بقاء النظام الدكتاتوري!

إن استغلال (فوبيا الطائفية) من قبل الحكومات العربية، يؤكد بأنها هي التي تقف وراء الفتن الطائفية، وهي التي تخترعها وتؤججها، لحماية أنظمتها التي فقدت صلاحيتها داخليا وخارجيا!

لقد تعامى وزير الداخلية البحريني عن الحقيقة التي يعلمها العالم كله، وهو أن الشعب البحريني المستضعف يريد حريته، وحقوقه الإنسانية المعيشية، ويريد ملكية دستورية، في عصر لم يعد فيه أمل لبقاء الأنظمة الأسرية الشمولية!

وإذا كانت الحكومة البحرينية قد سقطت في أول اختبار لها، وذلك في هجومها الهمجي على تظاهرة سلمية تضم شبابا ونساء وأطفالا أبرياء، كما سقط زين العابدين وحسني مبارك، حتى دفعا ثمن جرائمهما، فإن سقوط حكومات مجلس التعاون الخليجي كان أشد وأفدح، حيث حاولوا في اجتماعهم الطارئ أن يحملوا المسئولية أطرافا خارجية، ليحذروا من التدخل الأجنبي في شئون البحرين، تماما كما فعل حسني مبارك حينما رفض أي تدخل في شئون مصر، وكأنه لا توجد أزمة داخلية، وكأنه هو ونظامه لم يكن أوضح وأبشع صورة للتدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية!

إن أسوأ ما في هذه التصريحات الخليجية هو أنها تصدر ممن لم يبقوا من سيادة دولهم واستقلالها ولا ورقة التوت التي تستر عوارهم، بعد أن حولوا الخليج إلى أكبر قاعدة للاستعمار الأجنبي، وأصبحوا معه كالفداوية مع معازيبهم على حد قول وزير خارجية قطر!

ليست هناك فتنة طائفية كما يدعون، وليس هناك تدخل أجنبي وراء هذه المظاهرات، كما يزعمون، بل هناك شعوب مضطهدة تتطلع للخلاص من حكوماتها التي لم يعد لها أي رصيد شعبي، ولا مستند شرعي، لتستمر في حكم شعوب الخليج على هذا النحو العشائري، ولتستأثر دونهم بالحكم والثروة، لا لشيء إلا لأنها تحالفت مع الاستعمار البريطاني، الذي ضمن لها بقاءها وبقاء سلطتها دون حاجة للتفاهم مع شعوبها!

نعم لقد استعجلت القوى المعارضة البحرينية ووقعت في أخطاء فادحة حين لم تستطع إقناع الشعب البحريني كله بعدالة قضيتها، وبالوقوف مع ثورتها، وحين تحركت بمفردها قبل استجماع كل مكونات الشعب البحريني، وقبل تحديد أهدافها بكل وضوح، لتكون الثورة ثورة شعب بكل مكوناته كما جرى في تونس ومصر، لا ثورة طائفة واحدة!

إن على المعارضة البحرينية أن تدرك بأن سر نجاح الثورات العربية المعاصرة في تونس ومصر هو أنها لم ترفع أي شعارات طائفية أو دينية، ولا مطالب فئوية، لا ظاهرية ولا باطنية، وهو ما لم تستطع الثورة البحرينية تحقيقه حتى الآن، فقد كانت المسيرات وشعاراتها تنبئ بخلفية طائفية، وتنظمها أطراف طائفية مهما حاولت الظهور بأنها ثورة شبابية، وكان الخطأ الأفدح حين تم طرح موضوع التجنيس السياسي، وهو طلب فئوي خطير، يجعل من الثورة ثورة فئوية لا ثورة شعبية!

إن (التجنيس السياسي) لم يبدأ اليوم، كما تحاول المعارضة الشيعية في البحرين إثارته، بل بدأ منذ بدأ المشروع الاستعماري البريطاني للخليج العربي منذ ما قبل 1900م، حيث فتح الباب على مصراعيه للتغير الديمغرافي للخليج العربي لترتيب أوضاع المشيخات الحاكمة التي وقعت معه اتفاقيات معاهدة الحماية السرية، من أجل ترسيخ حكمها بعنصر أجنبي يكون ولاءه للمشيخات لا للأرض والوطن، لتتحول سواحل الجزيرة والخليج العربي تحت الاحتلال البريطاني وفي فترة قصيرة إلى منطقة هجرة للإيرانيين الشيعة، وفي المقابل تم تهجير القبائل العربية التي كانت توالي الخلافة العثمانية، وترفض الاحتلال البريطاني وترفض تدخله في شئون المنطقة، كما جرى لقبيلة الدواسر في البحرين، ولقبيلة العجمان ومطير في الكويت في الحرب العالمية الأولى ومنعهما من دخول الكويت حتى للتموين، لحماية المشيخات، ولم يمض وقت قصير حتى أصبحت حاشية القصر الحاكم في المنامة والكويت هي من جالية المهاجرين الإيرانيين الشيعة، وهو أحد أسباب ثورة المجلس في الكويت سنة 1938م، حيث رفض الشعب الكويتي آنذاك هجرة الإيرانيين للكويت، ورفضوا التغيير الديمغرافي السكاني للمدينة، وقد قامت بريطانيا بالإيعاز بقمع الثورة في الكويت وفي البحرين في السنة نفسها، وتم فرض التغيير الديمغرافي بالقوة، وهو ما نشاهده اليوم في الإمارات حيث فتح الباب على مصراعيه لهجرة الهنود وللتغيير الديمغرافي فيها، لأغراض سياسية، ليصبح العرب أقلية في الخليج العربي!

إن فتح ملف (التجنيس السياسي) لن يكون في صالح غير العرب في كل دول الخليج العربي، والاحتجاج بالأكثرية الشيعية اليوم في البحرين، هو كالاحتجاج بالأكثرية الهندية في الإمارات، أو الأكثرية اليهودية في فلسطين، والتي هي في حقيقتها أكثرية طارئة مستوردة لتقوم بمهمة وظيفية في مرحلة استعمارية قد انتهت، ولم تكن هجرات طبيعية، بل هجرات سياسية لغرض سياسي، أرادت بها المشيخات الاستقواء على سكان الخليج الأصليين بعنصر أجنبي!

إنه ليس أمام من يريدون الإصلاح السياسي في الخليج العربي إلا التطلع للمستقبل، وطي صفحة الماضي، والانفتاح على كل فئات المجتمع على اختلاف مكوناتها وأعراقها، واحترام حقوق الإنسان، وحقوق المواطنة، والإيمان بحق الشعوب العربية الخليجية في الحرية، وحقها في اختيار حكوماتها، وحقها في الوحدة، بعيدا عن الطائفية والعصبية القومية والفئوية والمناطقية!

لقد آن الأوان أن تراجع القوى السياسية الشيعية نفسها ومواقفها وتاريخها، لتستعيد ثقة الأمة بها، فقد أصبح هناك حاجز كبير من الشك والريبة بينها وبين الشارع العربي من الخليج إلى المحيط، خاصة بعد ما جرى من فظائع وجرائم في العراق جعلت الخليجيون يتشبثون بحكوماتهم مهما كانت دكتاتورية، حتى لا تتكرر المجاز الوحشية الهمجية التي قامت بها فرق الموت الشيعية!

إن القوى السياسية الشيعية تعيش تناقضات وازدواجية في المواقف تماما كما يجري في إيران! ففي الوقت الذي تدعي فيه هذه القوى دعم خيار المقاومة في لبنان، تقف في المقابل مع حكومة الاحتلال الأمريكي في العراق، ضد المقاومة العراقية، بل وضد الأمة العربية والإسلامية كلها، بل وتنكر حتى وجود مقاومة عراقية، في الوقت الذي اعترفت أمريكا سنة 2007 بضراوة المقاومة ومشروعيتها!

وفي الوقت الذي تقف القوى الشيعية في الكويت مع النظام ضد المعارضة الواسعة من الشعب الكويتي، تدعو في المقابل إلى دعم المعارضة ضد النظام البحريني وتناشد الأمة الوقوف مع مظلوميتها؟!

وهو التناقض الذي تمارسه الكتلة الشيعية في البرلمان الكويتي، التي تتحالف اليوم مع حكومة فاقدة للشرعية والصلاحية، تنتهك حقوق الإنسان وحريته، وتصادر حقوق الشعب الكويتي في التجمع والتعبير، دون أن يصدر من هذه القوى الشيعية أي موقف يرفض هذه الممارسات، في الوقت الذي تتباكى هذه القوى نفسها على ما جرى في البحرين، بينما يعتذر نوابها وإعلامها عما قامت به الحكومة في الكويت من اعتداء على الشعب ونوابه وتجمعاته السلمية؟!

كما رفضت هذه القوى الطائفية الوحدة الخليجية التي يتطلع لها ثلاثون مليون عربي في الخليج والجزيرة، لا لشيء إلا لأنها قد لا تخدم مصلحتها الطائفية، وقد انبرى عدد من النواب الشيعة في البرلمان الكويتي ضد وحدة النقد الخليجي لهذا الغرض ذاته، تحت ستار الخوف على الاقتصاد الوطني، كل ذلك على حساب مصالح الأمة الاستراتيجية!

إن على الشيعة في البحرين والكويت والسعودية أن يتجاوزوا العقدة الطائفية، وأن يخرجوا من عباءتها، فعمقهم الطبيعي هو عالمهم العربي حيث يعيشون - وليست طهران التي يعيش النظام الطائفي فيها آخر أيامه - وأن يقفوا مع شعوب المنطقة العربية وتطلعاتها نحو الاستقلال والحرية والوحدة، بما في ذلك الاستقلال من الاحتلال الأمريكي في العراق والخليج، وأي تمالئ أو تلكؤ أو تبرير لهذا الاحتلال لمصلحة طائفية سيدفع ثمنه من وقف مع الاحتلال في المستقبل، كما حذر منه سابقا المرجع الشيعي اللبناني محمد حسين فضل الله!

إن وقوف الأقلية الشيعية في الكويت اليوم ضد تطلع الشعب الكويتي للإصلاح السياسي، وضد تطلعه للحرية، وللحكومة المنتخبة، لحسابات طائفية أدى كل ذلك إلى عزلتها من جديد، وانكفائها على نفسها، حيث تخندقت مرة أخرى مع النظام ضد الشعب، وهو أيضا ما أفقد الثورة البحرينية تعاطف الشعب الكويتي- فضلا عن تعاطف باقي شعوب الخليج العربي - الذي كان دائما ما يقف مع الشعب البحريني وقواه التحررية ضد الاستبداد، كل ذلك بسبب ازدواجية الموقف الشيعي وتناقضه، وممارسته للتقية السياسية، مما أفقد الشارع العربي ثقته به، لعدم معرفته بمشروعه وأهدافه الحقيقية، وهل هو حقا مع الاحتلال أم مع الاستقلال؟

وهل هو مع الوحدة أم مع مشروع التجزئة؟

وهل هو مع الحرية لشعوب المنطقة أم مع الاستبداد؟

وهل هو مع المستقبل أم مع الماضي وعقده التاريخية ومظلوميته كما يروج خطابه الإعلامي ليعزز الشحن والاحتقان الطائفي؟

إن في قيم الإسلام المشتركة، وفي القيم الإنسانية المشتركة، وفي قيم المواطنة المشتركة، وفي المصالح المشتركة، ما يمكن بها ومعها تجاوز المشكلة الطائفية، وتحقيق الاندماج الاجتماعي بين مكونات الأمة، التي فرقتها الحسابات والمصالح الطائفية.

إننا نقف مع الشعب البحريني بكل فئاته، ومع حقه في الإصلاح السياسي، ومع رفع الظلم عن الجميع، ومع تحقيق العدل والمساواة للجميع بلا أي تمييز طائفي أو عرقي، ومع قيام حكومة منتخبة، في ظل ملكية دستورية، بعيدا عن أي تدخل إيراني، أو نفوذ طائفي، وبعيدا عن أي امتداد لحزب الله الإيراني ومشروعه الطائفي البغيض في العالم العربي، وبعيدا عن شعاراته التي يرفعها، وصور خامنئي التي تستثير الشعور القومي العربي الذي لا يقبل أي وصاية أو نفوذ إيراني على العالم العربي، فقد انتهت دولة ولاية الفقيه في إيران، وانتهت شعاراتها الطائفية الزائفة، ولم تعد تقنع الشارع الإيراني نفسه، فضلا عن العالم العربي، الذي كان ضحية تفاهم النظام الإيراني مع أمريكا، كما جرى في العراق، وإن أي رهان من قبل الشيعة في الخليج العربي على الملالي ومشروعهم الطائفي هو رهان خاسر، فإيران تعيش اليوم حالة احتقان سياسي لن يهدأ إلا بسقوط دولة الملالي، وقيام نظام سياسي إسلامي عصري حر، لا طائفية فيه، ولا غيبة للعقل، ولا تهميش فيه للقوميات والطوائف الأخرى، ولا ولاية فيه للفقيه، بل الولاية فيه للشعب الإيراني الذي يتطلع اليوم إلى الحرية، والذي أصبح يستلهم تجربة الثورة العربية التونسية والمصرية، وقيمهما الإنسانية، وبدل أن تصدر إيران لنا ثورتها الطائفية، وفرق الموت، والبكاء والنياحة، واجترار الماضي وأحداثه، والعقلية الغيبية الأسطورية الخرافية، سيصدر لها العرب اليوم الثورة الشعبية السلمية، ثورة الإخاء والحرية، والقيم الإنسانية، وسيكون ذلك نهاية عصر الطائفية التي قسمت الأمة ووحدتها، وبداية نهضة الأمة كلها على اختلاف شعوبها وقومياتها وطوائفها!

الكاتب: د. حاكم المطيري
عدد المشاهدات: 2655
تاريخ المقال: Sunday, May 1, 2011

التعليقات على الثورة البحرينية والشماعة الطائفية0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
86716

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق عرب نت 5 مجانا الآن
سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
المقالات الأكثر قراءة
مقالات جديدة
Most Popular Tags

ثورة البحرين

,

الثورة البحرينية

, مسجات عن ثورة البحرين, حاكم المطيري, مسجات ثورة البحرين, الفنانين الكويتيين وثورة البحرين,

كيفية استخدام التفاهم الانسانى فى مشكلة الفتنة الطائفية فى مصر

,

مسجات ثورية بحرينية

,

مقال عن الاحتلال الاجنبى واسبابة

,

ثوره البحرين

,

تنبؤات عن ثورة البحرين

,

مقال قصير عن معنى الاحتلال الاجنبى و اسبابه

,

ثورات البحرين

,

رأي الفنانين الخليجيين بالثورة البحرينية

,

هل ثورة البحرين طائفية

,

الموقف العربي من الثورة البحرينية في التويتر

,

مقال عن الاحتلال الاجنبى و اسبابه

,

مقال قصير عن ماضي الاحتلال الاجنبي

,

مقال عن معنى الاحتلال الاجنبى و اسبابه

,

مسجات الثورة البحرينية

,

الفنانين الطائفيه الخليج

,

اسباب الثورة البحرينية

,

مقالات ثورة البحرين

,

الثوره البحرينيه

,

ممثلين كويتين مع ثورة البحرين

,

ما اسباب ثورة البحرين

,

قراءة في ثورة البحرين

,

لثورة البحرينية

,

اراء الفناني

,

اجمل الصور والمقالات عن الشعب البحريني

,

اسباب ثورة البحرين

,

مقالة قصيرة عن الاحتلال الاجنبى

,

الثورة البحرانيه

,

مقالات في نقد الثورة البحرينية

,

مسجات لثورة البحرين

,

ما راي الفنانين في ثورة البحرين

,

مسجات طائفيه

,

اخر اخبار الفنانين الخليجين

,

ماهي اخر اخبار ثورة البحرين

,

رأي الفنانين في ثورة البحرين

,

مسجات ثورية لثورة البحرين

,

تنبؤات ثورة البحرين

,

الكويتين مع الثورة البحرينية

,

مقال عن اسباب الثوره في البحرين

,

ماهي المشاكل العرقية والطائفية في البحرين

,

مقالات للثورة البحرينية

,

ابطال الجيش البحريني لحفظ الامان

,

مقال عن الاحتلال الاجنبي في مصر واسبابه

,

مقال عن الاحتلال الاجنبي واسبابه

,

مقاله معنى الاحتلال

,