مقالاتالبيئة والتنمية - مقالات في البيئة والتنمية › الكتلة الحرجة فى التخطيط القومي

الكتلة الحرجة فى التخطيط القومي

الكتلة الحرجة فى التخطيط القومي

بقلم : د. حمدي هاشم                                                                   

تقف إشكالية تقسيم الأقاليم الاقتصادية المتوازنة بمصر وخروج تقسيم المحافظات الحالى عن تسهيل مهمة الإدارة المحلية وتعجيل التنمية البشرية المستديمة، وراء تعطيل أهداف التخطيط القومي فى المستوى المحلى الذى يعانى من تشوهات بيئية ومشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية. تلك الحدود الإدارية التي ما زالت تعكس، منذ الحملة الفرنسية على مصر، دواعي الأمن وحفظ النظام وتحصيل الضرائب، بالإضافة إلى حصر وتوزيع السكان والمنشآت والخدمات. وقد تختفى بذلك الميزات النسبية المكانية، التى قد تتناقص أو تتدهور أو تتعارض فيما بينها، حسب طبيعة التدخل البشرى وموقف الحكومة من التنمية المتكاملة فى الحضر والريف على حد سواء. وإن كانت تنمية الأقاليم مركزية على المستوى القومي فإنها تعانى في مستواها المحلى من تهميش وتراكمات وسلبيات لا تساعد على تنفيذ الأهداف القومية للمخططات الاستراتيجية، بل قد يجهض القصور في التخطيط المحلى ميلاد التنمية البشرية المنتظرة. وهكذا تظل الأقاليم أسيرة حدود جغرافية متوارثة غير قادرة على إثراء مختلف عمليات الإصلاح والتي لا تحقق مع ضعف الإدارة المحلية أهداف الخطط الإقليمية والقدرة على الاندماج في الخطة القومية. أى أن التنمية المحلية هى الكتلة الحرجة فى التخطيط القومى. الأمر الذي كان وراء ذلك الانفلات العمراني غير المخطط وسقوط الاحترام للحيز العمراني فى المدينة أو القرية، ذلك الحيز العمراني الذي يلهث وراء متطلبات النمو السكاني وغالباً ما تنتهي صلاحيته قبل انقضاء زمنه الافتراضي، مما يفضي إلى مزيد من العشوائية فى العمران واتساع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين السكان.

 

يتركز حسب الصورة العامة للسكان (2010) نحو ثلثي سكان الحضر داخل ثلاث عشرة محافظة تزيد فيها نسبة الحضرية عن 40 % من جملة سكانها، وتشمل أقاليم القاهرة الكبرى والإسكندرية ومدن القناة وأسوان ومحافظات سيناء ومطروح والوادي الجديد الصحراوية. بينما تستقطب مثيلتها الأقل حضرية ثلث سكان الحضر وتشمل معظم محافظات الدلتا والوادي عدا أسوان. وإن كانت قد تضخمت الفئة الأولى بما تشغله من المساحة الإجمالية ومساحة السكن وأثرت بذلك في وضع الفئة الثانية التي جاءت هزيلة المساحة بسبب خلوها من أراضى الظهير الصحراوي، حيث جذبت الفئة الأكثر حضرية كل المحافظات الصحراوية بينما استأثرت الفئة الأقل حضرية بأغلب المحافظات الزراعية. ولا يبتعد عن ذلك مركب السكان الاقتصادي ومتوسط نصيب الفرد من الناتج الإجمالي القومي وكذلك مؤشر التنمية البشرية، حيث بلغ عدد الفقراء بين سكان مصر حوالي 14 مليون نسمة يتركزون بنسبة 79% بالمحافظات الأقل حضرية والتي تستقطب كذلك 83% من الفقراء المدقعون الذين يصل عددهم إلى نحو 4 ملايين نسمة، وذلك حسب البيانات الرسمية. أما عناصر الحرمان البشرى فقد تركزت بين سكان المحافظات الأقل حضرية على النحو التالي: 92%، 89%، 78.5%، 63%، يعيشون بمناطق تفتقر إلى مياه الشرب النقية وغير مخدومة بالصرف الصحي ومن الأميون والمتعطلون عن العمل، على التوالي من جملة سكان مصر، والفرق البائن بينهما يؤكد أن الأكثر حظاً فيما ذكر سكان المحافظات الأكثر حضرية.

 

وإن كانت فلسفة التعديل الإداري الأخير، قبل إعادة حكومة شرف الوضع إلى نصابه، بإضافة محافظتان جديدتان داخل إقليم القاهرة بهدف تخفيف الضغط العمراني على مدينتي القاهرة والجيزة القديمتين مع تركيز التنمية العمرانية خارج كتلتيهما في مناطق صحيحة وقادرة على استيعاب الزيادة السكانية المتوقعة لإعادة توزيع السكان، وكذلك الارتقاء بالمناطق المتدهورة والفقيرة المنتشرة بالأطراف، إلا أن ذلك التفتيت الإداري لم يراعى توصية اللجنة القومية لبحث مشاكل العاصمة (1992) بضرورة الدمج بين المستويين التخطيطي والتنفيذي باعتبار القاهرة الكبرى تمثل وحدة عمرانية حضرية واحدة يجب وضعها تحت جهاز إداري واحد، ليتسنى تنفيذ الرؤية الشاملة للتخطيط الإقليمي. وبذلك لم يحقق التقسيم الإداري المقومات الاقتصادية والاجتماعية والقدرة على المنافسة في ظل تلك التطورات السياسية والاقتصادية المتتالية التي يمر بها المجتمع المصري. مما ينقلنا للتفكير في تقسيم جديد للمحافظات والأقاليم بدلالة القدرة على حسن إدارة كل من الموارد الطبيعية والخدمات لصالح التكامل بين إدارة الثروة القومية ورفع مستوى دخل السكان. وذلك في ظل تقوية دور المؤسسات القائمة باتجاه تعظيم قدرتها على إدارة التغيرات المطلوبة لعملية التنمية المستديمة والتخلي عن دعم القدرات المؤدية إلى حالة التأقلم أو البقاء وذلك بتبني سياسات إصلاح بنية الإدارة المحلية لتصبح ذات أساليب خلاقة وملائمة للتنمية المستديمة وتؤدى إلى توسعة قاعدة التعليم الاجتماعي لتطوير قدرة المواطن على حل مشكلاته واختيار أنسب الوسائل لتحقيق أهدافه.

الكاتب: د. حمدي هاشم
عدد المشاهدات: 6298
تاريخ المقال: Monday, May 09, 2011

التعليقات على الكتلة الحرجة فى التخطيط القومي  "10 تعليق/تعليقات"

نادية البلتاجى مدير عام شئون الإستثمار محافظة الجيزة25/10/2012

الأقاليم الإقتصادية كيف سيسمح بتطيقيها فى ظل تخطيط غير مدروس والدليل التجربة الفاشلة لفصل محافظتى الجيزة والقاهرة وأضافة محافظتين ثم الرجوع وعودة الحال إلى ما هو عليه وكيف التخطيط فى ظل أمبراطوريات الهيئات المختلفة المهيمنة على التنمية فى المحافظات وكوادرها الخاصةوالتى رغم فشلها مازال الوضع كما هو أنا أرى أنه حتى يكون التخطيط سليم يحب إعادة الهيكلة للحكومة بوازارتها وحل هذه الهيئات بتوافق مع التخطيط المكانى والحدودى للمحافظات

مدحت شعبان10/7/2011

أولا: أسجل شكري لاهتمامكم بتعليقي على مقال الكتلة الحرجة وارغب في مشاركة الرأي على وجهة النظر لسعادتكم التشخيصية في تكتل بعض المدن وإفراغ أخرى فهل توجد رؤية لعلاج ذلك الخلل برؤية تخطيطية للمدن على خلفية العاصمة وتنفذ على خطوات من المحافظين والمحليات المقيمة فعليا بتلك المدن مع توفير المتطلبات الحيوية للمعيشة من خدمات أساسية كتعليم وعلاج وخلافة..... ومن ثم تصبح المدن والقرى على خطى العاصمة مع الاحتفاظ بخصوصية تلك المدن والقرى من العادات والتقاليد . شكرا لكم مدحت شعبان السيد منصور أخصائي أول فيزياء وخبير الوقاية من الإشعاع بهيئة الطاقة الذرية

صلاح جاد سلام27/6/2011

د . حمدى هاشم جزاكم الله خيرا كثيرا على هذا التحليل العلمى لواحدة من أهم مشاكل مصر ، إن لم تكن أهمها على الإطلاق . تحية وشكرا . صلاح جاد سلام

حسن الهامي1/6/2011

مابين البصر والبصيرة ، وما بين التواكل والتوكل ، وما بين الوهم والامل ... شتان بين هذا وذاك ...سواء في حياة الافراد أو حياة الامم ...ما جاء في المقال تنبيه لنكون علي طريق الاستبصار والتخطيط ...واستدراك مراحل التواكل والعشوائية في حياتنا ، متي سنعالج مشاكلنا جراحة وليس ضمادات ومسكنات ...وبخاصة ازاء ما يتردد أو يتوقع عن تغيرات مناخية ...وما نراه من نتائج تكدس سكاني في مناطق ، وفقر في مناطق وتفشي أمية ،،، ما نجده محرج اليوم سيكون حرج قريبا ...نحو تخطيط واقعي وعلمي لاعادة توزيع سكاني علي اساس تنموي وحضاري ...وليس مجرد انشاء محافظات برسم خطوط بالقلم الرصاص ليتقرر انشاء محافظة دون مقومات ...شكرا جزيلا للدكتور حمدي لما يتناوله من موضوعات قومية وطنية غاية في الاهمية

م/ جمال حلمي21/5/2011

لقدأختارالكاتب موضعا في غاية الأهمية كماعودنادائما, يتناوله بأسلوب وعبارات بسيطة تحمل مادة علمية قيمة وتثير جدلا واسعا حول كيفية التطبيق . ولقدأثار في ذاكرتي قصيدة كتبتها حول الموضوع بعنوان صورة بكرة...- عايز أرسم لك صورة بكرة - وفي أحضاني أعيش أحميها- صورة جديدة حأرسمهالك- من خيالاتي ومن أحلامي- صورة بكرة مشرق لامع- صورة بثوب الفرح الأبيض- من أزهار الفل النادي- فيها حمامة بيضاء سابحة - فوق الوادي- صورة فيها اللون الأخضر- كاسي بثوبه علي الجانبين- ولأشجار فيها بتتمايل- شابكة إيداها علي الشطين- صورة فيها النيل الخالد- صفحة فضة تملي العين- تجري مياهه رايقة وصافية- حاملة معاها صحة وخير- صورة فيها فلاح وطني- بادر حبه فوق الوادي- حاوليه جنة خضرا تنور- يأكل منها ويطعم غيره- من خيراتك أرض بلادي- صورة فيها عامل واعي- عرقه بيلمع تحت الشمس- وأيديه فيها عزيمة وحرص- ومصانعه حوالين الوادي- صورة فيها أخويا الجندي- شايل علي كتفه سلاحه- بأمانة وهمة وشجاعة- يحميني ويحمي أولاده- ومعلم بيعلم فصله- قبل العلم أخلاق ومبادئ- وطبيب أمين علي وطنه- بضميره وبالعلم يداوي- ومهندس يبني ويعمر- ويخرج خيرك لولادك- صورة فيها صبي وصبية- فاردين كفينهم علي الميه- حاضنين أحلامهم- بيهدوا- لمركبهم ترسي في المينا- وأنا ماسك ناي الأخضر- بأعزف لك أنشودة عمري- بأوهب لك من روحي ودمي- ونسمي الصورة المستقبل.

أ.د. صالح لمعي11/5/2011

إن العنوان الذي اختاره الدكتور حمدي هاشم يعبر بصدق عن الوضع العمراني الصعب لأقاليم مصر متناولاً في عجالة المشاكل والتحديات التي أوجدها هذا التقسيم لأقاليم مصر منذ القرن التاسع عشر. ونتفق معه بضرورة إعادة النظر في النظام الحالي لأقاليم مصر بما يتوافق مع التوزيع السكاني والاحتياجات المعيشية للمواطنين وتوفير برامج تنموية تقوم علي حماية وتعزيز الموارد البشرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والطبيعية لأجيال الحاضر والمستقبل.

أحمد مجدى رمضان11/5/2011

أولا المقال ثرى بالأفكار و المعلومات و الأسلوب الأدبي رائع ثانيا اتفق في التنمية المحلية تحدى أمام التخطيط و من الحلول إعادة التخطيط القومي ملاحظة الخريطة غير واضحة تحياتي

د. أحمد رفعت10/5/2011

في الحقيقة لم أجد عنوان لهذا التعليق أجمل من ( مصر التي في خاطري ) و ذلك بسبب أنني أجد دائما في مقالات الأستاذ الدكتور حمدي هاشم المحب و المخلص لمصرنا الحبيبة حماها الله و حفظها من كل أيد خفية تريد أن تزعزع أمنها و استقرارها. لقد قرأت هذا المقال أكثر من مرة وذلك لمحاولة فهمه نظرا لأنه يحمل بين طياته معاني و دلالات يجب علي القارئ أن يفهمها و يحللها بعد أن يقرأها جيدا. لقد تكلم الكاتب عن موضوع ( الكتلة الحرجة في التخطيط العمراني ) وأوضح أن التنمية المحلية هي الدافع و المحرك الأساسي للتخطيط العمراني السليم والذي يعتمد علي البحث والدراسة والتطبيق وفقا لمعايير التخطيط الراقي الذي يكون من أولوياته أن يضع نصب عينيه مصلحة الوطن و المواطن قبل كل شئ. أن الكاتب استعرض المشاكل و التحديات التي تواجه هذا التخطيط و خاصة فيما يتعلق بالبطالة و الأمية وتوفير نقطة مياه نقية و صرف صحي آمن و رفع مستوي المعيشة لكل مواطن يعيش علي هذه الأرض الطيبة مصرنا الحبيبة . و في النهاية أقدم جزيل الشكر لكاتبنا المحترم علي المجهود الكبير الذي تعودنا أن نجده في جميع مقالاته آملا أن يوضح لنا كيفية تنفيذ برنامج التنمية المحلية الذي يساهم في التخطيط القومي في ظل المشاكل و التحديدات السابق سردها . دكتور مهندس / أحمد رفعت كلية الهندسة بالمطرية جامعة حلوان استشاري الأعمال الصحيـة مقدم محاضرات علم الهندسة الصحية بقناة التعليم العالي بالتليفزيون المصري

أ.د/ سمير سامى10/5/2011

مقال جيد ويعالج موضوع مهم ، ومصر فى حاجة إلى رؤية جديدة لإعادة توزيع السكان على أراضيها والاستفادة من هذه الأراضى بالشكل الذى يؤدى إلى مزيد من التنمية والرقى بمستوى معيشة الإنسان المصرى

Dr. Ing. Architect Sayed Ibrahim10/5/2011

Please consider this topic as very urgent and serious to define the Egypt in the coming 50 yeaes. Many thanks to Dr. Hamdy Hashem

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
أكثر المقالات قراءة
إقرأ آخر المقالات
Most Popular Tags

اقاليم مصر التخطيطية

,

سلبيات الحملة الفرنسية على مصر

, تقسيم محافظات مصر, سلبيات الحملة الفرنسية, ايجابيات وسلبيات الحملة الفرنسية على مصر, الاقاليم التخطيطية فى مصر,

بحث عن الايجابيات والسلبيات للحملة الفرنسية على مصر

,

الاقاليم المناخية فى مصر

,

خريطة اقاليم مصر التخطيطية

,

تقسيم المحافظات

,

ايجابيات وسلبيات الحملة الفرنسية فى مصر

,

بحث عن اقاليم مصر التخطيطية

,

الكتلة الحرجة

,

بحث عن ايجابيات وسلبيات الحملة الفرنسية

,

اقاليم مصر المناخية

,

اقاليم مصر الاقتصادية

,

سلبيات وايجابيات الحملة الفرنسية

,

اقاليم مصر التخطيطيه

,

الاقاليم الاقتصادية فى مصر

,

خرائط لاقاليم مصر

,

خريطة تقسيم اقاليم مصر

,

تقسيم مصر الى اقاليم تخطيطية

,

خريطة مناخية لمصر كليا

,

خرائط اقاليم مصر المناخية

,

الايجابيات والسلبيات للحملة الفرنسية على مصر

,

سلبيات الحمله الفرنسيه على مصر

,

سلبيات وايجابيات الحملة الفرنسية على مصر

,

بحث عن الايجابيات والسلبيات للحملة الفرنسية

,

الاقاليم التخطيطية المصرية

,

الاقاليم الاقتصادية في مصر

,

خريطة محافظات الدلتا

,

التخطيط القومي

,

خريطة تقسيم محافظات مصر

,

الكتلة الحرجه فى التخطيط القومى

,

التخطيط القومى

,

أقاليم مصر المناخية

,

خريطة تقسيم محافظات مصر واضحة

,

تقسيم الأقاليم المناخية في مصر

,

مقالات عن خطة تقسيم مصر حسين شكري

,

الاقاليم التخطيطية في مصر

,

بحث عن ايجابيات وسلبيات الحملة الفرنسية على مصر

,

ما هي سلبيات وايجابيات الحملة الفرنسية

,

بحث عن سلبيات الحملة الفرنسية

,

تقسيم اقاليم مصر

,

ايجابيات وسلبيات الحملة الفرنسية

,

خريطة منى 1432

,

خريطة محافظات اقليم الدلتا

,

الاقاليم الاقتصاديه في مصر

,

المعاييرللاقاليم مصر التخطيطية

,

خريطة الاقاليم الاقتصادية فى مصر

,