مقالاتالفكر والثقافة › فن المقالة

فن المقالة

فن المقالة

بسم الله الرحمن الرحيم


لقاء تليفزيونى لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي


أعزائي المشاهدين أسعدتم مساء و أهلاً بكم و مرحباً ، الكائنات البحرية تعد الحياة في البحر مسرفة إسرافاً أبعد من كل خيال ، سواء في وفرتها أو في تنوعها أو في قدمها أو غرابتها أو جمالها أو شراستها بغير تعقل و بما ليس له نظير آخر في الطبيعة ، و تتراوح الكائنات البحرية من ملايين بلايين الكائنات الميكروئية التي تجوب البحر في المياه الزرقاء إلى حيتان المحيط المتجمد الجنوبي الذي يبلغ طول الواحد منها ثلاثين متراً ، و يزن مائة و ثلاثين طناً ، و تشتمل هذه الكائنات على أجمل الأنواع التي لم تَجُد الطبيعة بمثلها كتلك الأسماك الرائعة الفضية و كتلك الحيوانات التي تتفتح كالزهور ، و كتلك الشعب المرجانية المتلألئة ، و كتلك الديدان التي يبلغ طول الواحد منها سبعة و عشرين متراً ، و كتلك الأسماك التي تتلون بأحد ثمانية ألوان ، فإذا وقفنا عند الحوت و هو أكبر الكائنات البحرية و أكبر الكائنات البرية أيضاً ، فيحتاج الحوت الواحد إلى أربعة أطنان من السمك تدخل معدته حتى يشعر بالشبع ، و يحتاج وليده إلى ثلاثمائة كيلو من الحليب في الرضعة الواحدة ، و يتدفق من جسم الحوت في أثناء صيده ثمانية أطنان من الدم و فيه خمسة و عشرون طناً من الدهن ، و خمسون طناً من اللحم ، و عشرون طناً من العظام ، و تزن أعضاؤه الداخلية ثلاثة أطنان و لسانه طنين و نصف ، و يستخرج من الحوت ما يزيد عن مائة و عشرين برميلاً من الزيت ، وقد استطاع حوت واحد أن يجر سفينة ثمانية ساعات و نصف بسرعة تزيد عن خمس عقد في الساعة و السفينة تُعمل محركاتها بأقصى سرعة باتجاه معاكس لسيره .


أخوتي المشاهدين :

استمعتم قبل قليل إلى مقالة علمية عن الكائنات البحرية مأخوذة من مجموعة علمية عنوانها " لايف " أردت أن أستهل بها هذا اللقاء عن فن المقالة ، موضوع اللقاء فن المقالة، لتكون تجسيداً و متكئاً للأفكار النظرية المتعلقة بهذا الموضوع .


بادئ ذي بدء سأعرض عليكم مخططاً للموضوع و بعدها ننتقل إلى الحديث عن فقراته فقرة فقرة .


المخطط هو كما يلي :


المقالة : أولاً سوف نتحدث عن تعريفها و بعدها ننتقل إلى أهميتها و كيف أنها فن عصري ، بعدها نتحدث عن عناصرها و عناصر المقالة تتألف من المادة و الأسلوب و الخطة .

فالمادة هناك تعريف لها و هناك حديث عن شروطها ، و بعض الشواهد .

و الأسلوب فيه عناصر ثلاثة : الوضوح و القوة و الجمال .

و في الخطة مقدمة و عرض و خاتمة .


يا إخوتنا الطلاب و يا أعزاءنا المشاهدين :

جواب سؤال التعبير الأدبي في امتحان الشهادة الثانوية يشبه أن يكون مقالة أدبية متواضعة لشاب مغمور هو أنت أيها الطالب ، لذلك فقرات هذا الدرس و هذا اللقاء هي نفسها فقرات أصول كتابة موضوع في التعبير الأدبي ، الحديث عن فن المقالة عن تعريفها و عن مقوماتها هو حديث يشبه الحديث عن أصول كتابة مقالة أدبية أي جواب سؤال التعبير في الامتحان .


فالمقالة كما يعرفها إدموند جونسون و لنخرج قليلاً عن تعريف الكتاب: المقالة كما يعرفها إدموند جونسون فن من الفنون الأدبية و هي قطعة إنشائية ذات طول معتدل تكتب نثراً و تلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة و لا تعنى إلا بالناحية التي تمس الكاتب عن قرب .

هذا التعريف تعريف إدموند جونسون فماذا عن تعريف الكتاب المقرر؟

تعريف الكتاب المقرر المقالة قطعة من النثر معتدلة الطول تعالج موضوعاً ما معالجة سريعة من وجهة نظر كاتبها ، سوف أشرح لكم هذا التعريف بالتفصيل و سوف أقف عند الكلمات التي تحتها خط في هذا التعريف .

فكلمة تعالج موضوعاً ما هنا جاءت عامة هي موضوعاً ما ، في التعريف تعني أن المقالة من أكثر الفنون الأدبية استيعاباً و شمولاً لشتى الموضوعات ، فموضوعات كالتضخم النقدي و أساليب الإعلان و التخدير بالإبر لا يمكن أن تحملها أجنحة الشعر ، و لا حوادث القصة ، و لا حوار المسرحية ، و المقالة وحدها تتقبل مثل هذه الموضوعات و أية موضوعات أخرى ، و تجيد توضيحها و تحسن عرضها ، إذاً الفن الأدبي الذي يتسع لأي موضوع يخطر في خاطر كاتبه هو فن المقالة ، إذاً تعالج موضوعاً ما ، و لكن هذه المعالجة ليست معالجة متأنية كالبحث العلمي إنها معالجة سريعة ، فكلمة معالجة سريعة في التعريف تعني أن كاتب المقالة ما زاد عن أنه شجّر تأملات أو تصورات أو مشاهدات تغلب عليها العفوية و السرعة ، فلو كانت المعالجة متأنية إذ جُمعت الحقائق و محصت و صنفت و اعتمد على الإحصاء و التجربة و المتابعة لعدَّ هذا العمل بحثاً علمياً و ليس مقالة أدبية ، فلو قرأت في مجلة علمية أن طيور البلاكبورد تطير في الخريف إلى شاطئ المحيط الأطلسي و من هناك تقوم برحلة جوية لا تصدق ، ما هي هذه الرحلة ؟ تقوم برحلة جوية لا تصدق فوق البحار في اتجاه أمريكا الجنوبية مجتازة مسافة أربعة آلاف كيلو متر بلا توقف خلال ست و ثمانين ساعة على ارتفاع يزيد عن ستة آلاف متر ، لو قرأت هذه الفقرة في مجلة علمية لعرفت أن هذه الأسطر قد كلفت العلماء سنوات طويلة من الملاحظة و المتابعة ، إذاً هذه الفقرة هي جزء من بحث علمي و ليس مقالة أدبية .

و أما كلمة من وجهة نظر كاتبها تعني أن المقالة تعبر عن ذات كاتبها أكثر مما تعبر عن موضوعها لأن كاتب المقالة يرى الأشياء من خلال ذاته و ما يعتمل فيها من مشاعر و انفعالات ، استمعوا معي إلى مي زيادة تتحدث عن طائرها :

" طائر صغير أحببته شهوراً طوالا ، غرد لكآبتي فأطربها ، ناجى وحشتي فآنسها ، غنى لقلبي فأرقصه ، نادم وحدتي فملأها ألحانا "

و الآن ننتقل إلى الفقرة الثانية من المخطط و هي أهمية المقالة ، و إذا شئت أن ألخص لكم كل ما سوف أقوله عن أهمية المقالة فالمقالة فن عصري .


يا إخوتنا المشاهدين و يا طلابنا الأعزاء :

كتب على غلاف إحدى المجلات ذات الطبعات الدولية كُتب هكذا : أكثر من مائة مليون يقرؤون هذه المجلة في مائة و ثمانين بلداً في العالم و بخمسة عشر لغة ، فما سر هذا الإقبال الشديد على مطالعة المقالات المنوعة في الصحف و المجلات ، في كل أقطار العالم ؟


إن السر يكمن في طبيعة العصر و طبيعة حياة الإنسان في هذا العصر، في هذا العصر التي طغت فيه المادة على القيم ، و نما العقل على حساب القلب ، و تعقدت أنماط الحياة ، و كثرت متطلباتها ، و استهلك كسب الرزق معظم الوقت ، و اختصر كل شيء حتى اختصرت الشهور في ساعات ، و السنون في أيام ، و ظهرت الحاجة ملحة إلى مطالعات سريعة خفيفة ، فتطلع الناس إلى الصحف و المجلات و استهوتهم الكتيبات و الدوريات و كأن الناس أرادوا أن يختصروا البحر في قارورة و البستان في باقة و ضياء الشمس في بارقة و هزيم الرعد في أغرودة ، و بحثوا عن فن أدبي يدور معهم أينما داروا و يرافقهم حيثما ساروا ، و يكون معهم في حلهم و ترحالهم و أحزانهم و أفراحهم ، في لهوهم و جدهم ، يعبر عن نشاطهم العقلي و عن اضطرابهم النفسي ، لذلك اختصرت الكتب في مقالات فجاءت بلسماً شافياً لمرض العصر و دواء لضيق الوقت فكانت المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً لأنها أقلها تعقيداً و أشدها وضوحاً و أكثرها استيعاباً لشتى الموضوعات و أيسرها مؤونة على الكاتب و أسهلها هضماً على القارئ ، هذه هي الأسباب التي جعلت من المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً و من أكثرها تلبية لحاجات العصر و لحاجات الإنسان العصري الذي يعيشها .


و الآن ننتقل إلى العنصر الثالث من عناصر الخطة و هي عناصر المقالة ، و عناصر المقالة كما شاهدتم قبل قليل هي المادة و الأسلوب و الخطة .

فالمادة هي مجموعة الأفكار ـ الآن تعريفها ـ و الآراء و الحقائق و المعارف و النظريات و التأملات و التصورات و المشاهدات و التجارب و الأحاسيس و المشاعر و الخبرات التي تنطوي عليها المقالة ، تنوع التعريف بتنوع الموضوعات ، و هذا عن تعريف مادة المقالة فماذا عن شروطها ؟


الآن شروط المقالة : يجب أن تكون المادة واضحة لا لبس فيها و لا غموض ، و أن تكون بعيدة عن التناقض بين المقدمات و النتائج ، فيها من العمق ما يجتذب القارئ و فيها من التركيز ما لا يجعل من قراءتها هدراً للوقت ، و فيها وفاء بالغرض بحيث لا يصاب قارئها بخيبة أمل ، و أن يكون فيها من الطرافة و الجدة بحيث تبتعد عن الهزيل من الرأي، و الشائع من المعرفة ، و السوقي من الفكر ، و فيها من الإمتاع بحيث تكون مطالعتها ترويحاً للنفس أكثر مما تكون عبئاً عليها ، أن تكون المادة واضحة و صحيحة و عميقة و مركزة و وافية للغرض طريفة و ممتعة هذه شروط المادة في المقالة حتى تكون مادة قيمة يقبل عليها القارئ بنهم و شغف .

يقول أحد الكتاب إن مهمة الكاتب ليست في إضعاف النفوس بل في تحريك الرؤوس و كل كاتب لا يثير في الناس رأياً أو فكراً أو مغزى يدفعهم إلى التطور أو النهوض أو السمو على أنفسهم و لا يحرك فيهم غير المشاعر السطحية العابثة و لا يقر فيهم غير الاطمئنان الرخيص و لا يوحي إلا بالإحساس المبتذل و لا يمنحهم غير الراحة الفارغة و لا يغمرهم إلا في التسلية و الملذات السخيفة التي لا تكون فيهم شخصية و لا تثقف فيهم ذهناً و لا تربي فيهم رأياً لهو كاتب يقضي على نمو الشعب و تطور المجتمع هذه الكلمة لأحد الكتّاب يتحدث فيها عن مهمة الكاتب في مضمون المقالة أي في مادتها ، يجب أن تحرك الرؤوس لا أن تضعف النفوس ، يجب أن تثير المثل العليا لا الغرائز السفلى .


و العنصر الثاني في فن المقالة هو الأسلوب :
و الأسلوب قبل أن نتحدث عن شروط الأسلوب ، الأسلوب في التعريف هو الصياغة اللغوية و الأدبية لمادة المقالة أو هو القالب الأدبي الذي تصب فيه أفكارها ، و مع أن الكتّاب تختلف أساليبهم بحسب تنوع ثقافتهم و تباين أمزجتهم و تعدد طرائق تفكيرهم و تفاوتهم في قدراتهم التعبيرية و أساليبهم التصويرية و مع ذلك فلا بد من حد أدنى من الخصائص الأسلوبية حتى يصح انتماء المقالة إلى فنون الأدب .


لابد في أسلوب المقالة من الوضوح ، الوضوح كما شاهدتم في المخطط ، الوضوح لقصد الإفهام ، و القوة لقصد التأثير ، و الجمال لقصد الإمتاع ، لابد من الفهم ، و لابد من التأثر ، و لابد من الاستمتاع، فكل شرط من شروط الأسلوب يحقق غرضاً من أغراض الأسلوب ، الوضوح للفهم ، و القوة للتأثير ، و الجمال للإمتاع ، فماذا عن الوضوح وضوح الأسلوب في المقالة ؟ لابد في أسلوب المقالة من الوضوح بقصد الإفهام ، فالوضوح في التفكير أساس الوضوح في التعبير هذه حقيقة مسلم بها ، الوضوح في التفكير أساس الوضوح في التعبير ، مادامت الأفكار واضحة وضوحاً جداً في ذهن الكاتب فلابد أن تأتي أفكاره و أساليبه واضحة كذلك ، و معرفة الفروق الدقيقة بين المترادفات ثم استعمال الكلمة ذات المعنى الدقيق في مكانها المناسب فكلمة لمح كما تشاهدون و لاح و حدج و حدق و حملق و شخص و رنا و استشف و استشرف كل هذه الكلمات تعني النظر، و لكن لكل كلمة معنى دقيقاً جداً يتحدث عن حالة من حالات النظر ، فلمح شيء ظهر ، إنسان نظر ثم أعرض ، بينما لاح شيء ظهر و اختفى ، و أما حدج فهو الحديث و المستمع ممتلئ بالمحبة ، و أما حدق حينما تكبر حدقة العين فهذا هو التحديق ، و أما حملق حينما يظهر حملاق العين و هو باطن الجفن فهذا معنى كلمة حملق ، و أما شخص مع الخوف ، و أما رنا نظر مع السرور، بينما استشف نظر مع التفحص بالأصابع ، و استشرف نظر مع التمطي في الأرجل ، فإذا عرف الكاتب المعاني الدقيقة جداً للكلمات أمكنه أن يستخدمها في مكانها الصحيح و بهذا يسهم استخدام الكلمة بالمعنى الدقيق في توضيح المعنى ، المعنى الواضح يسهم في توضيح الأسلوب و معرفة الفروق الدقيقة بين المترادفات تسهم أيضاً في توضيح الأسلوب و في ذلك معرفة العلاقات في التراكيب و تحديدها تحديداً دقيقاً و عدم الوقوع في اللبس أي احتمال تركيب معنيين في وقت واحد هذا يسهم أيضاً في توضيح أسلوب المقالة .

فالعبارة يسمح مثلاً لو قال أحدهم يسمح ببيع العلف لفلان ، قد يفهم من هذه العبارة أنها سخرية أو استهزاء أو تقريع فكأن فلان حيوان ، بينما يقال يسمح لفلان ببيع العلف فهذه عبارة واضحة محددة ، لا يمكن أن تحتمل معنى آخر ما أراده الكاتب ، فتحديد المعنى من قبل الكاتب عن طريق دقة الصياغة هو الذي يسهم أيضاً في وضوح الأسلوب في المقالة .


كما أن الإكثار من الطباق يزيد المعنى وضوحاً و قديماً قالوا بضدها تتميز الأشياء ، و كذلك المقابلة و المقابلة كما تعرفون تشابك طباقين أو أكثر ، فالمطابقة كالحر و القر ، و الجود و الشح ، و الطيش و الحلم ، إيراد المعاني المتعاكسة في النص من شأنه أن يوضح المعنى توضيحاً جيداً ، أما استخدام الصور بعامة و الصور البيانية بخاصة فهو شيء أساسي في توضيح أسلوب المقالة ، مثال ذلك ، يقول أحد الكتاب معرفاً الأدب : الأدب اليوم عصا بيد الإنسانية بها تسير لا مروداً تكحل به عينيها شبه الأدب بالعصا التي تستعين الإنسانية بها و ليست مروداً و المرود هو ميل الكحل ، ليست مروداً تكحل به عينيها و هو نور براق يفتح الأبصار ، و ليس حلية بديعة ساكنة فوق الصدور .


و الآن ننتقل إلى العنصر الثاني في الأسلوب و هو القوة ، قوة الأسلوب تعني أن هذا الأسلوب شديد التأثير فإذا كان وضوح الأسلوب يحدث عند القارئ قناعة فإن قوة الأسلوب قد تحدث عند القارئ موقفاً ، و الموقف هو أن تقف باتجاه هدف معين و تتحرك نحوه ، إذا كانت العبارات الواضحة تُحدث قناعة فإن قوة الأسلوب تُحدث موقفاً عند القارئ ، و تأتي قوة الأسلوب من حيوية الأفكار و دقتها ، و متانة الجمل و روعتها ، و كذلك تسهم في قوة الأسلوب الكلمات الموحية و العبارات الغنية و الصور الرائعة و التقديم و التأخير و الإيجاز و الإطناب و الخبر و الإنشاء و التأكيد و الإسناد و الفصل و الوصل و كل هذه الكلمات عنوانات لموضوعات مرت بكم في البلاغة و لاسيما في علم المعاني ، مثال ذلك: إذا أردنا أن نعيش سعداء حقاً فما علينا إلا أن نراقب القمح في نموه و الأزهار في تفتحها و نستنشق النسيم العليل و لنقرأ و لنفكر و لنشارك تايلر في إحساسه إذ يقول سلبني اللصوص ما سلبوا و لكنهم تركوا لي الشمس مشرقة و القمر منيراً و المياه الفضية الأدين و زوجة مخلصة تسهر على مصالحي و تربية أطفالي و رفقاء يشدون أزري و يأخذون بيدي في كربي فماذا سلبني اللصوص بعد ذلك؟ لاشيء فها هو ثغري باسم و قلبي ضاحك و ضميري نقي طاهر .


و أما الجمال في الأسلوب و هو العنصر الثالث في الأسلوب الجمال من أجل الإمتاع فهو شيء أساسي أيضاً في الأسلوب حينما يملك الكاتب الذوق الأدبي المرهف و الأذن الموسيقية و القدرات البيانية يستطيع عندئذ أن يتحاشى الكلمات الخشنة و الجمل المتنافرة و الجرس الرتيب ، و حينما يواءم بين الألفاظ و المعاني و يستوحي من خياله الصور المعبرة يكون أسلوبه جميلاً ، لأضرب لكم مثالاً : يقول أحد الكتاب البرج العاجي الخلقي هو السمو عن المطامع المادية و المآرب الشخصية فليس من حق مفكر اليوم أن ينأى بفكره عن معضلات زمانه  و لكن من واجبه أن ينأى بخلقه عن مباذل عصره و سقطاته، البرج العاجي عندي هو الصفاء الفكري و النقاء الخلقي و هو الصخرة التي ينبغي أن يعيش فوقها الكاتب ، مرتفعاً عن بحر الدنايا الذي يغمر أهل عصره لا خير عندي من المفكر الذي لا يعطي من شخصه مثلاً أعلى لكل شيء نبيل رفيع جميل .


و أما العنصر الأخير في المقالة فهو الخطة ، و الخطة كما سوف تعرفون مقدمة و عرض و خاتمة ، و يسميها بعضهم الأسلوب الخفيف و هي المنهج العقلي الذي تسير عليه المقالة ، فإذا اجتمعت للكاتب أفكار و آراء يريد بثها للقراء و كان له من الأسلوب ما يستطيع أن تشرق فيه معانيه وجب ألا يهجم على الموضوع من غير أن يهيء له الخطة التي يدفع في سبلها موضوعه ، و الخطة تتألف من مقدمة و عرض و خاتمة.  فالمقدمة هي المدخل إلى الموضوع ، و تمهيد لعرض آراء الكاتب ، و يجب أن تكون أفكار مقدمته بديهية مسلماً بها و لا تحتاج إلى برهان و أن تكون شديدة الاتصال بالموضوع ، و أن تكون موجزة و مركزة و مشرقة ، و أما العرض فهو صلب الموضوع و هو الأصل في المقالة و فيه تعرض أفكار الكاتب عرضاً صحيحاً ، وافياً متوازناً مترابطاً متسلسلاً و يستحسن أن يمثل الكاتب لكل فكرة و يربطها بسابقتها و يذكر أهميتها و يشرحها و يعللها و يوازنها مع غيرها و يذكر أصلها و تطورها و يدعمها بشاهد أدبي أو تاريخي .

هذه طريقة عرض الأفكار و يفضل أن تعرض كل فكرة رئيسة في فقرة خاصة ، و في الخاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في العرض و يجب أن تكون واضحة صريحة حازمة .

إخوتي :

أرجو لكم التوفيق و النجاح في شتى الميادين و إلى لقاء آخر و السلام عليكم .

الكاتب: فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
عدد المشاهدات: 7626
تاريخ المقال: ‏24 ‏يناير, ‏2010

التعليقات على فن المقالة  "2 تعليق/تعليقات"

اسامه22/12/2012

حلو جداا

ضياءالدين الشريف27/2/2010

كان المقال شاملا من حيث التعريف بالمقاله وعناصرها وشواهدها وإسلوبها وشروطها ولكن يبقى الشيئ المهم والأهم فى فن المقاله وهو سرها وروحهاوأساس وجودها فى نفس المتلقى وهو أن تكون المقاله حين قراءتها كأنها مكتوبة بقلم من يقرأها وكأن القارئ يقرأ لنفسه وعظمة الكاتب تكمن فى أنه يجعل القارئ ممتلئا بهدا الإحساس وهو يقرأ له . عموما كان المقال رائعا وقد ألهمنى بكتابة مقالة عن الكلمة وسرها حينما تتمطى وتتنتشر وتتمدد لتملأ كتبا ومجلدات ، الشكر للدكتور محمد راتب النابلسى وللموقع المتميز عرب نت متمنيا لكم التوفيق فى مهمتكم لنشر الثقافة والوعى الجاد والهادف.

سجل في النشرة الاخبارية في عرب نت 5
Most Popular Tags

فن المقالة

,

مقال علمي عن القلب يتكون من مقدمة وعرض وخاتمة

, بحث عن فن المقالة, فن المقال, فن المقاله, المقالة,

بحث عن فن المقال

,

انشاء عن الحاسوب فيه المقدمة والعرض والخاتمة

,

بحث حول فن المقالة

,

بحث حول فن المقال

,

مقال علمي يتكون من مقدمة وعرض وخاتمة

,

خطة بحث حول فن المقال و تطوره في العصر الحديث

,

مقال علمي يتكون من مقدمه وعرض وخاتمه

,

فقرة ادبية عن الخريف

,

فن المقالة في العصر الحديث

,

بحث عن مقال يتكون من المقدمه العرض والخاتمة و فقرات

,

تعريف فن المقالة

,

خاتمة مقال ثورة يناير

,

السمات الاسلوبية للمقالة

,

تقرير عن فن المقال

,

موضوع يشبه المقال يتكون من مقدمه وعرض وخاتمه عن

,

ظهر فن المقال

,

ماهي العناصر الفنية للمقال

,

خطة بحث حول تطور فن المقال في العصر الحديث

,

بحث عن المقالة العربية

,

انشاء يتكون من مقدمة و عرض و خاتمة يتحدث عن الماء

,

كيفية كتابة بحث حولة فن المقال

,

موضوع عن الاذن مقدمة عرض وخاتمة

,

تقديم حول المقالة

,

بحث حول فن المقال في الأدب العربي

,

فن المقالة وتطوره

,

بحث عن فنون المقاله

,

تعريف المقالة واساليبها

,

اكتب مقالا توضح فيه اسباب واهداف ونتائج ثورة 25 يناير

,

مقال علمي فيه مقدمةة وعرض وخاتمة

,

تصميم مخطط الموضوع الفن المقال الموضوع

,

تقرير عن المقاله

,

بحث عن فن المقاله

,

انشاء حول العلم يتكون من مقدمة وعرض وخاتمة العربية

,

تعريف المقالة العلمية

,

تعريف المقالة وتحديد عناصرها

,

قصه فيها فن المقال

,

مقال علمي

,

عرض انشاء العلم

,

ما هي خصائص فن المقالة

,

العناصر الفنية للمقال

,

بحث عن المقالة في العصر الحديث

,

بحث عن اهمية المقاله

,

ما اهمية المقالات الادبيه

,

فن المقالة في مصر

,