مقالاتمواضيع عامة › إجعل من شعورك بالحسد أمراً إيجابياً

إجعل من شعورك بالحسد أمراً إيجابياً

إجعل من شعورك بالحسد أمراً إيجابياً

إعداد: سناء ثابت .. "ألم يحدث أن أحسست بنوع من الضيق أو الحزن، وربما الكره أو الظلم أو مظهراً من مظاهر الغيرة لديك، وقد يكون نوعاً من أنواع الحسد. وعلى الرغم من أن الحسد إحساس يسمم حياة أولئك، الذين لا يتوقفون عن مقارنة أنفسهم بالآخرين، إلا أنه إحساس قد تكون له بعض المزايا".
الحسد شعور قديم، قِدم الإنسان على سطح الأرض. وعلى إختلاف اللغات وتعاقب الحضارات، كان الحسد دائماً حاضراً كإحساس يشعل النيران في صدر الإنسان تجاه أخيه الإنسان. وقد قال المؤرخ الفرنسي فوستيل دولا كولونج إن "الإحساس الأكثر طبيعية، الذي يُفترض أن يشعر به الإنسان، وهو يقف متفرجاً على ثراء غيره، ليس الإحساس بالاحترام ولكن الإحساس بالحسد". هذا عن الثراء، لكن الأمر نفسه ينطبق على الجمال، كما يقول الأديب الفرنسي فيكتور هوغو إن "فتى يافعاً مهما يكن فقيراً، قادر على أن يثير بصحته وقوته حسد إمبراطور عظيم إذا كان هذا الإمبراطور مسناً".

- إحساس شرير

وبما أن الكمال ليس من صفات البشر، وحيث إن قائمة الصفات التي تمنينا لو متعنا الله بها لا نهاية لها، فإن القليلين فقط من الناس يمكنهم أن يسعدوا لسعادة صديق سعيد من دون أن يحسدوه عليها. لذا، يكاد يكون الإحساس بالحسد تجاه آخرين أمراً طبيعياً، فهو عيب منتشر يشعر به كل الناس في لحظة ما من لحظات حياتهم.

- سوء تقدير
الحسد هو إحساس نشعر به في حياتنا اليومية من دون أن نتعمد ذلك، ويمكننا أن نعرّفه على أنه سوء تقدير للصعوبات التي يواجهها الآخرون، ولما نتقاسمه جميعنا في هذه الحياة.
وطبعاً فنحن غير متساوين في الغنى والصحة وأمام والمرض أو الموت، قد سبب لنا هذا شعوراً بالغضب أو شعوراً بالتعاطف، لكن ليس هناك أي نظام سياسي أو اجتماعي في العالم، مهما يكن له القدرة على إيجاد حل لهذا الإشكال، ويحصل أحياناً أن نتقبل هذا الأمر، لكننا نصب شعورنا بالظلم على أناس بعينهم نعرفهم شخصياً. إننا إذن نميل إلى مقارنة الوضع الذي نحن فيه بأوضاع الناس الآخرين، بالتالي قد نشعر بأننا محرومون مقارنة بهم.

- نقص الثقة بالنفس
يصف عالم النفس جول رونار الحسد بأنه "إحساس خالص وقوي، وهو قبل كل شيء رد فعل دفاعي أولي، يوَلده عدم الرضا والإحساس بعدم الاكتفاء تجاه الممتلكات أو الحب أو النجاح الذي يتمتع به الآخرون، متبوعاً بالرغبة في امتلاك تلك الأشياء". أما المحللة النفسية ميلاني كلين فترى أن الحسد هو "الشعور بالغضب الذي يشعر به إنسان عندما يرى أن إنسانا آخر يملك شيئا يتمنى هو امتلاكه".
إن دافع الحسد يجعل صاحبه يميل إلى الاستحواذ على الشيء الذي يملكه الآخر أو إلى تحطيم ذلك الشيء، ويرغب فيه بعنف، فالرغبة مثل الكره، تكون عنيفة ومدمرة.
وعندما تصل إلى أقصاها، نخلط، بشكل خاطئ بينها وبين الغيرة، التي مع ذلك نعني بها علاقة ثلاثية، في حين أن الحسد ليس له سوى طرفين محركين هما "الأنا" التي تريد أن تمتلك الشيء، و"الشيء"في حد ذاته. وهكذا فإن الحسد قديم جداً مقارنة بالغيرة. ومن وجهة نظر عالم النفس فرانشيسكو ألبيروني: "الحسد سُم يولد من الحرمان، ومن الظلم والإهانة اللذين يدفعاننا إلى التقليل من شأن، وتحقير أي شيء يتجاوزنا, وهو وسيلة هروب نلجأ إليها لنخفي عيوبنا".
إن الحاسد يحسد تلقائية وهدوء وطبيعية الآخرين. ويظهر في النهاية أن الحسد، هو واحد من أعراض ضعف كامن في صاحبه أو دليل على تقليل صاحبه من شأن نفسه، وعدم تقديره لنفسه، إن نقص ثقتنا بأنفسنا، هو الذي يقودنا بلا شك إلى الحسد.

وبالنسبة إلى الحاسدين، فإن شعورهم بالحسد قد يدمرهم. ويتعلق الأمر غالباً بنزوة وقتية يمكن أن نتجاوزها بسهولة، لكن في حالات أخرى يكون الأمر أكثر خطورة. إذ يصل الحاسدون إلى درجة يكرهون فيها أي شيء يحيط بهم، فقط من باب الشره أو الجشع. وبالنسبة إلى المحلل النفسي سافيريو توماسيلا: "الأمر هنا يتعلق بإدمان التملك. إنه مثل بئر بلا قعر، يتمنى صاحبها لو يضع فيها كل شيء وأي شيء تقع عليه عينه، لكنه مهما وضع فيها لا تمتلئ أبداً، حتى يصل إلى درجة أن يفقد كل شيء معناه، وحيث لا يبقى مكان للجوانب الروحية".
يصبح الحسد مرضاً بالنسبة إلى من يعانيه، حيث يعزل الحاسد وراء قضبان رغبته في التملك وفي التحكم وفي الحصول على سلطة ما، حينئذ يصبح الوجود شاقاً وكئيباً.

- علاج الحسد
تصحيح هذا العيب الخطير، عادة ما يكون صعباً ويستغرق وقتاً طويلاً، كما أنه يستلزم مساعدة خارجية من قبل متخصص محترف. قد يستلزم الأمر أحيانا سَنوات من التحليل النفسي، من أجل التغلب على الشعور بالحسد، والدخول في المجال الإبداعي للرغبة وعيش علاقات إنسانية حقيقية.
ينبغي أن نعرف مع ذلك، أنه في إمكاننا تحويل الحسد إلى دافع مشجع على تطوير الذات والانفتاح على الآخر، وعلينا أن نقول أحياناً إن "هذا الشخص محظوظ"، بدل أن نقول "ليس من العدل أن يكون هو وليس أنا من يستفيد"، أو حتى أن نصل إلى درجة أن "نتمنى رؤية الآخر يفشل أو أن نرى شراً يصيبه".
وقبل أن نستسلم للحسد ونترك أمواجه الهادرة تجرفنا في طريقها، يجب أن نقول لأنفسنا إنه مهما بدت الفروق بيننا وبين الآخرين كبيرة، فإنها ليست إلا أشياء قليلة مقارنة بالأشياء الكثيرة التي نتقاسمها جميعاً، مثل الولادة، المرض، الألم، الكفاح اليومي ضد ما يجعلنا نعاني. في النهاية الجميع يعيشون المعاناة نفسها، ونحن بلا شك نرتكب خطأ كبيراً عندما نعتقد أن فلاناً أسعد من الآخرين لمجرد أنه يملك هذا الشيء أو ذاك، أو لأنه نجح في هذا الأمر أو ذاك.

من جهة أخرى، من الضروري أن نعترف بنسبية التملك، فإذا كان الآخرون يمتلكون أشياء لا نملكها نحن، فإننا أيضاً نملك أشياء لا يملكها الآخرون، فلدينا بالتأكيد مصادر غير مسبوقة أو خاصة بنا جداً لا يملكها غيرنا، ويمكن بالتالي أن تجعلنا أيضاً محسودين من قبل الآخرين.

يمكن إذا بذل الفرد مجهوداً ليتغلب على شعوره بالحسد، أن يتغلب على هذا الإحساس السيئ، بل ان يتجاوز الأمر ويجعله وسيلة تساعده على إدخال التجانس على علاقاته مع الآخرين. وبدل أن تكون لدينا فكرة الحسد السلبية نكوّن أفكاراً أخرى إيجابية، مثل أن نفرح لفرح الآخرين ونستمتع معهم بفرحهم، بدل أن نتمنى زوال النعمة عنهم. وهذا بطريقة أو بأخرى، يجعلنا نتقاسم معهم تلك النعمة التي يملكونها، يوصلنا إلى السلام مع أنفسنا ومع الشخص الذي نحسده، وبالتالي فإن هذا يعود بالنفع على علاقتنا معاً.
والحالة هذه، فلا فائدة إذن من الخوف، إذا كنتم تجدون أنفسكم حسودين جداً، فهو إحساس طبيعي قد يتعرض له أي إنسان كيفما كان، وهو وضع يمكن أن يحوله الشخص ذو الإرادة القوية والنية السليمة، إلى عامل قوة وفائدة وإلى دافع إيجابي إلى تطوير الذات وللوصول إلى الأهداف.

المصدر:بلاغ

الكاتب: إعداد: سناء ثابت
عدد المشاهدات: 5501
تاريخ المقال: ‏06 ‏أبريل, ‏2010

التعليقات على إجعل من شعورك بالحسد أمراً إيجابياً0