اخبار عرب نت فايف
سوق السيارات المستعملة
مساحة اعلانية
ثورة 25 يناير أخبار العالم اخبار الرياضة اخبار المال والاقتصاد اخبار المسلمين الصحة والجمال الأسرة والطفل علم وتقنية اخبار الفن والثقافة اخبار البيئة مقالات

مقالاتقصائد شعر وأدب › لأبي بيت وأرض صغيرة ضاعت في غزة

لأبي بيت وأرض صغيرة ضاعت في غزة

لأبي بيت وأرض صغيرة ضاعت في غزة

لأبي بيت وأرض صغيرة يسكنها الجميع، تحفها الأشجار يمنة ويسار، فيها زيتون ولوز وينتشر الزعتر، لم أتنشق رائحة الأرض يوماً إلا هناك، حين كان الطعام يطهى هناك كنت أشم فيه رائحة الأرض، طعام بيتنا ذاك فيه مذاق ليس كطعام الأرض، لا يتحرك أبي من مكانه بل يشعل النار بما سقط من أوراق الزيتون الصفراء أرضاً، ويقطع بصل أخضر يجري له الريق، ويقطع من الزرع بطاطا وبندورة وكذلك فلفل أخضر وأحمر، في كل اتجاه لون أخضر،وهناك حاووز عالٍ يتسع لمياه تروي كل المنطقة.

في بيت أبي هناك عالمٌ آخر وسحر آخر، هناك أنت والسماء والأشجار الخضراء وحاووز المياه، بل ورشاشات المياه الصغيرة تنتشر في كل مكان..

في بيت أبي سحر آخر لونه أبيض، لا يشوبه خوف ولا حزن، هناك النقاء والصفاء، لم أعتد البقاء هناك طويلاً، وكنت أمشي مسافات طويلة لأصل الطريق والسيارات، والطريق هناك طويل أخضر فيه صفاء ونقاء..

لم أعتد أن أصحو على رائحة الزعتر، ولا زقزقة العصافير تطربني كل صباح، ولا أعرفها إلا في كتاباتي وفي قراءاتي المتعددة هنا وهناك، لكن في آخر أيام جلستها هناك صحوت على رائحة زعتر وغازلتني العصافير بسمفونية إلهية، وكان الشجر يتراقص فرحاً والنور يخدر جسدي بخجل.. هكذا صحوت في آخر مرة.

 

بعد أيام قليلة لم يكن خدر ذلك الجمال قد ضاع من جسدي، دق هاتفي في الصباح بصوت أحد أقارب أبي، ليقول لي بصوت مرتعد وخائف أن اسرائيل جرفت الأرض والبيت، يرتعد جسدي، تحملني رائحة الزعتر وورود الشوك هناك تخلعني من مرقدي، وأركض لأخبر العائلة بأن اسرائيل اغتالت الأرض في غيابنا، يباغتني أبي بصوت عالً ليقول: ( له )ويهاتف أحدهم ليؤكد الخبر، وبعد أيام تنقطع فيها الأخبار هناك لأنها منطقة عسكرية مغلقة، يهاتف أحدهم كذلك في الصباح ليقول تستطيعون رؤية البيت، يذهب أبي وأخوتي، لتصلني أول رسالة على الخليوي تقول: لي الأرض رماد ليس هناك معالم للأرض لا شجر ولا حجر، وتسكت أمي والدمع يخنقها ففي الأرض العمر وهاهو يضيع، نهاتف أبي الذي أخبرني أخوتي أنه ضرب بيده على رأسه وجلس أرضاً ينظر، يقول أبي بصوت يملؤه الألم كل شي بتعوض، تسكت أمي مجدداً..

 

يصدح صوت فيروز عندي بيت وأرض صغيرة فأنا الآن يسكنني الأمان، لا أبيع أرضي بذهب الأرض تراب بلادي تراب الجنان ...

بقي من البيت غرفتين ومطبخ صغير، يبقى أبي هناك أسابيع يجمع بقايا الأشجار ليستحطبها فهو ما بقي من الزيتون واللوز وكذلك الزعتر..

وتمضي الأيام ويسافر أبي ويسلك الغربة باباً فلم تعد الحياة هنا كافية ويكبر الصغار وتكبر الحاجة، وتأتي موجة اسرائيل من جديد على غزة بالتحديد غزة وليس بيت أبي وأرضه الصغيرة، بل على كل ما لونه أخضر، كان أخي الكبير قد داوم الذهاب هناك مع ولديه الصغيرين ليزرع أشجاراً جديدة، ويغرس في قلبي الصغيرين حباً وتمسكاً بهذه الأرض، وقام بتسوير الأرض والبيت، وحرثها ورش فيها البذر وسقاها بعرقه وعبث صغيريه في ترابها، وفي كل مرة كان يأتينا بنادرة جديدة من هناك من بيت أبي وأرضه الصغيرة.

لكن هذه المرة لم يهاتفنا أحد بل سمعنا اسم أبي يذاع على محطات الراديو بأنه إحدى المنكوبين، وبعدها يتصل بنا الكثير ليخبرنا أنه اسم أبي، حتى أغلقت هاتفي يكفي أخباراً لا تورد إلا الدمار، في هذه المرة لم يصدح صوت فيروز ولم يغني لنا أحد بل غنت علينا البلابل التي هدرت أعشاشها وفقدت فراخها الصغيرة، غنى علينا الحزن في كل مكان في غزة، والحل الأخير هو أن البيت والأرض لم يصبح لهم وجود، حتى أنهم اقتلعوا كل حدود الأرض، وحاووز المياه الكبير سالت دموعه بماء حزين أغرق كل الأرض ليحثها على النهوض من جديد، لكنها لم تسمع فقد توارى كل شيء وسكنت الأشباح هناك، وبات الخوف يزج نفسه في كل ذرات التراب، ولم يصبح هناك عصافير ولا بلابل ولا زعتر حتى رائحة الأرض تغيرت وأصبح الفسفور والبارود تغطيها، اجتثت رائحة الحب منها وسكن الموت، سالت دماء الأفاعي التي كانت تسكن الأرض، حتى الأفاعي التي كنا نخافها شاركتنا الموت، ليتهم تركوها فهي التي تعرف معالم الأرض وتعرف الحدود، مسحوها عن الوجود أبادوها اغتالوها في وضح النهار، لم يشفع لها حب أبي وتعلق صغيري أخي.

بعدما قتلوا كل شيء جاء ابن أخي الصغير، وقد رسم الأرض رسم السور ورسم الزيتون والبيت والكلب الذي كان يعيش هناك ويرضع صغاره، رسم الأمان في ورقة صغيرة، وأخذ يجول بيننا يرينا مكانه الذي يحب.

هنا فقط عرفت أنها ستعود مثلما كانت وأجمل مما كانت، سيغرسها الصغير حباً وأملاً وتحدي، ستغني له فيروز لا أبيع أرضي بذهب الأرض، تراب بلادي تراب الجنان...

هناك سيكون مكانه الأزلي حيث أحبه الجده وأحبه الحفيد... هناك فقط سيتنشق رائحة الأرض. 


الكاتب: الكاتبة: جاكلين صالح أبو طعيمة
بريد إلكتروني: jakleen8@hotmail.com
عدد المشاهدات: 5559
تاريخ المقال: ‏19 ‏يناير, ‏2009
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا المقال الآن!

أضف تعليق

17/4/2014
سيارات ومحركات
اخبار السيارات اخبار السيارات
سوق السيارات سوق السيارات
كمبيوتر وجوال
أخبار الكمبيوتر والانترنت أخبار الكمبيوتر والانترنت
أخبار الجوال والموبايل أخبار الجوال والموبايل
سوق الكمبيوتر سوق الكمبيوتر
سوق الموبيلات والجوالات سوق الموبيلات والجوالات
وسائط متعدده وترفيه
أجمل الصور أجمل الصور
كاريكاتير كاريكاتير
العاب فلاش العاب فلاش
خدمات ومعلومات
إعلانات مبوبة إعلانات مبوبة
دليل المواقع العربية دليل المواقع العربية
دليل الشركات دليل الشركات
بنرات اعلانية
انضم إلى عرب نت فايف في فيسبوك
اتبع عرب نت فايف في تويتر
خدمة RSS
شريط أخبار مجاني
أخبر صديق
إجعلنا صفحتك الأولى
أضفنا لمفضلتك
المقالات الأكثر قراءة
روابط متميزة

إستطلاع رأي

هل أنت مع ثورات الشعوب العربية؟

إظهر النتائج

أضف أخبار عرب نت فايف مجاناً على موقعك
إدارة و خدمات الموقع من جاليليو لإدارة المواقع استضافة وتطوير مواقع - ستار ويب ماستر كافة حقوق النشر محفوظة لأصحابها من المواقع والكتاب والناشرين وشبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن الآراء والتعليقات المعروضة في الموقع إذ تقع كافة المسؤوليات القانونية والأدبية على كاتبها أو/و المصدر الخاص بها.
شبكة عرب نت فايف غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية.
هذا الموقع مزود بحلول جاليليو مدير المواقع - ® Galileo Site Manager